‏إظهار الرسائل ذات التسميات في الفصل،. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في الفصل،. إظهار كافة الرسائل

٢٠١٠-٠٥-٢٦

الناس لا يفهمون ما أقول.. ألا يفهمون العربية الفصحى؟!

لو أجرينا اختبارا لتحديد المستوى في اللغة العربية على غرار التويفل، وطبقناه على خريجي الجامعات المصرية (كما قلنا في التدوينة السابقة)، لوجدنا الكارثة أكبر مما نظن بكثير.
المشكلة أن البعض يقولونها صراحة، أنهم لا يجيدون اللغة العربية، ولا يجدون غضاضة في ذلك، بل لا يجدون سببا واضحا لإجادتها.
اعتدت أن أرى صدمة طلابي الأجانب الذين درسوا العربية الفصحى عدة سنوات قبل مجيئهم إلى مصر، ثم حاولوا التحدث مع الناس في شوارع مصر.. الصدمة أن: "الناس لا يفهمون ما أقول! ألا يفهمون العربية الفصحى؟".
تخيل طالبا أجنبيا جاء إليك بلدك وقد تعلم اللغة العربية، وهو يعرف أن مصر دولة عربية، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، ثم حاول أن يحدثك بالفصحى.. ماذا ستقول له؟

"أنا لا أجيد اللغة العربية"؟
اكتبها إذن حتى لا تخطئ فيها.
هذا ما يحدث معه فعلا.. يحاول التفاهم مع الباعة أو السائقين بالعربية الفصحى، فيكون رد الفعل أن من يحدثه يضحك بشدة كأنه رأى "الأراجوز" ذاته، أو يحاول كبت ضحكه.. طبعا صاحبنا يتساءل: ما المضحك في كلامي؟ هل أنطق الكلام خطأ؟ هل لكنتي مضحكة إلى هذا الحد؟
رد الفعل هنا يكون سلبيا بالتأكيد.. عادة نحاول تهيئته لهذا الموقف.. فإذا تجاوزنا مسألة الضحك، وجدنا أغلب الناس يصرون على التحدث معه بالإنجليزية، حتى لو كانت إنجليزية "مكسرة".. لماذا؟!
هذا أمر مدهش بالنسبة لهم بالمناسبة.. هواة السفر منهم يقولون أن كل البلاد التي يزورونها يصر أهلها عادة على التحدث بلغتهم، حتى لو كانوا يجيدون لغته.. المبدأ دائما: أنت هنا، فلتتحدث لغتي.
المطب التالي أن الناس قد يفهمون كلامه إذا كان بفصحى جيدة، لكنهم غير قادرين على التحدث بها. إن المصريين يفهمون الفصحى، حتى غير المتعلمين منهم.. يفهمون نشرة الأخبار، والأفلام والمسلسلات التاريخية وقناة الجزيرة، وحتى الأطفال يفهمون أفلام الكارتون الفصحى، لكنهم لم يتعلموا التحدث بها، وهذه ثغرة أخرى في التعليم المصري في تعليم اللغات عموما، وليس اللغة العربية فحسب..
أنت درست اللغة الإنجليزية من المرحلة الإعدادية (لو كنت عجوزا مثلي) أو من الصف الرابع الابتدائي (لو كنت في سن أولادي)، أو من بداية المرحلة الابتدائية (لو كنت في سن أحفادي)، وتستمر في دراستها حتى نهاية المرحلة الثانوية، ولا يمكنك حتى التواصل بشكل جيد مع متحدث بالإنجليزية.. لا يمكنك مشاهدة فيلم أو سماع أغنية وفهمها.. يمكنك فحسب أن تقرأ وتكتب بالإنجليزية إذا كنت متفوقا بشكل كاف. بالنسبة للغة العربية فأنت تدرسها دراسة دقيقة شاملة، نحو وصرف وأدب وبلاغة.. ثم ماذا؟
لا تستطيع إجراء مكالمة تليفونية بلغة عربية جيدة.. لا تستطيع حتى التواصل بها. (في التدوينة القادمة - صوتية - سنرى أن... سنرى!).
ذات مرة ذكرت أمام طالبة أنني درست الفرنسية سنتين في المرحلة الثانوية.. وجدتها "طرطشت" الكثير من الفرنسية، بينما العبد لله يرعى في البرسيم طبعا!
سنتان في دراسة أية لغة كافية جدا لتصل إلى المستوى المتوسط أو المتقدم فيها (قراءة وكتابة واستماعا وتحدثا).
هذا فشل ذريع!
هذا نظام فشل في تعليمك أية لغة، وقصر تعاملك معها على الورقة والقلم..
الاستثناءات في ذلك هي اجتهادات فردية أو منح ربانية. لا أحد تعلم اللغة العربية في المدارس المصرية إلا من وجد أسرة اهتمت بتعليمه اللغة العربية لأسباب دينية غالبا، وهناك من وجد أستاذا أو قريبا له حببه في اللغة العربية وأكمل هو.. إلخ..
ولا أحد تقريبا تعلم لغة أجنبية في المدارس المصرية، إلا إذا كان اجتهادا شخصيا، لا يُحسب على النظام التعليمي، والتعليم المصري بريء منه!
أنا لا أبالغ للأسف. اللغة تتعلمها لتتواصل بها مع أهلها.. فهمل يمكنك التواصل بالفرنسية (أو الألمانية أو الإيطالية) التي تعلمتها لمدة عامين؟ هل يمكنك التواصل بالإنجليزية التي درستها ستة أعوام؟
لا.. أنت تتخرج وتبدأ في البحث عن "كورسات" لتتعلم اللغة.. وماذا كنت تفعل في المدرسة إذن؟!
أرجوك - إذا وصلت إلى هذه المرحلة - ألا تنسى "كورسات" اللغة العربية أيضا.

٢٠١٠-٠٥-١٠

كن حمارا تر الوجود جميلا...

كن حمارا.. تر الوجود جميلا..!
أن تكون مدرسا في هذا الزمن، فأنت مجبر على ذلك: أن تكون حمارا!
* * *

في كلية التربية كان هناك نوعان من الطلاب (مدرسي المستقبل): النوع الأول، وهو الذي اختار أن يكون حمارا من البداية.. شاب "مقضّيها" ولا مؤاخذة.. مكبّر.. عايش حياته.. يحضر محاضرات؟ أحيانا، ربما في أوقات فراغه.. المحاضرات في ذيل قائمة أولوياته؛ فهناك ما هو أهم – يا ريس – مثل الحريم (بنات الجامعة)، وما أدراك ما الحريم.. ليس بالضرورة أن يأخذ الأمر بنية سيئة كما تبادر إلى عقلك المريض؛ فالأمر عادةً لا يتعدى تكوين "شلة" تجيد الاستمتاع بوقتها.. ولا بأس من تجربة ارتباط فاشلة من البداية، مع الكثير من الدباديب والقلوب الحمراء والذي منه..
هناك أيضا قعدة المقهى، ورحلات القناطر وتمشية الكورنيش و.. و...
هذا النوع حمار حقيقي.. سله عن أي شيء في مجال دراسته أو خارجه، واستعد لنظرة البلاهة المطلقة في أبهى صورها.. سله عن الأغاني التي يسمعها سيحدثك عن العنب والحنطور، و "سيد يا سيد"، وربما بعضا من التامر حسني، وربما العمرو دياب لزوم الرقيّ.. سله عن الأفلام التي يشاهدها، واسترجع قائمة أفلام السبكي التي تقززت من مجرد مشاهدة إعلاناتها.. سله عن المؤلف أو المخرج الذي يفضله، واستمتع بارتباكه وهو يشرح لك كيف أن الممثل هو محور العمل الدرامي!
هل تريد متعة أكبر؟
ما رأيك بدعوته لزيارة معرض الكتاب معك؟
سيشتري بعض الكتب الدينية التي سمع اسمها مرة، وربما بعض كتب الأبراج أو الكتب الفكاهية، وربما شعر نزار قباني لو كانت صديقته تسمع كاظم الساهر!
النوع الثاني – بقى – هو باختصار: النقيض في كل هذا.
هذا النوع – يا عيني – يشقى، وتطلع عين الذين أنجبوه في كلام فارغ: محاضرات، ملخصات يصنعها بنفسه.. إلخ.. مع اهتمام غريب بطرق التدريس الخيالية التي ندرسها في الكلية.. أنا كنت من هذا النوع.. لم أكن حمارا للأسف، برغم أن الإغراء شديد..
في النهاية كما هو متوقع، كان طلاب النوع الثاني هم أوائل الكلية، وكنت أنا أحدهم.. هل نفعنا هذا بشيء؟ مطلقا!
لم يُعين أحد في الكلية.. حاولنا أن نحافظ على اختلافنا عن الحمير: التحق أكثرنا بالدراسات العليا، لكننا في النهاية عملنا في مدارس خاصة متواضعة، جنبا إلى جنب، حيث يبدأ فصل جديد مع نوع آخر من الحمير..
* * *

حاولت كثيرا ألا أصير حمارا في النهاية لكنني فشلت.. في كل تفاصيل عملي أنا مجبر على أن أكون حمارا..
تحضير الدرس - كما تعلمنا – هو أساس التدريس؛ تحدد أهدافك ووسائلك واستراتيجية التدريس التي ستستخدمها.. لكن المدير الحمار لا يريد سوى "خد كشكول من حد من المدرسين القدام وانقل منه التحضير"..!
الدروس الخصوصية – كما قرأنا – هي أكبر آفات التعليم المصري، لكنك ستقتنع بعد شهر واحد أنها النظام الأنجح لك وللطالب.. مائة وأربعون جنيها في الشهر ستقنعك!
اقتنعت؟
هل صرت حمارا هكذا؟
هيهات.. أنت فقط أخذت القرار، لكن هذا ليس سهلا.. الحمار كان يتدرب على أن يكون حمارا منذ سنواااات.. أنت ما زلت جحشا صغيرا. ولذلك: ستفشل طبعا!
لن تحصل على تلميذ واحد.. التلاميذ كلهم عند زملائك المدرسين من الحمير الحقيقيين..
تخيلت الموقف؟
الآن أنا أنتهي من المدرسة بعد الظهر، وأجلس على المقهى أتصفح الجريدة، وألعن هذا البلد الذي لا ينجح فيه إلا اللص أو الحمار..
نعم، أعرف ما ستقول: أسافر؟.. لن أرد عليك، سأترك هذا لأي زميل من الإسكندرية!
كل طرق السفر تتطلب الشيء نفسه: خبرة في التدريس لا تقل عن خمس سنوات..
طيب.. مستعد للعمل في أي شيء؟ لا فائدة.. كل الطرق للسفر مغلقة؛ هذا بلد يتمسك بأبنائه يا عزيزي.. هذا بلد "لا منه، ولا كفاية شره"..
أعود إلى نظرية الحمار مجبرا، وأحصل بمعجزة على تلميذين – من فصلي – يريدان درسا خصوصيا.. تلميذين من الطراز الذي نطلق عليه "بلاطة" طبعا، وإلا ما لجآ إلى مدرس كحيان مثلك..
اصبر!
غباء؟
اصبر!
ارتفاع في ضغط الدم؟
اصبر!
تذكر أن الصبر هو أهم صفة في الحمار.. لن تكون حمارا حقيقيا إلا بالصبر؛ فاصبر!
تشرح في الفصل قصيدة إيليا أبي ماضي الجميلة:
“أيهذا الشاكي وما بك داء كن جميلا ترَ الوجود جميلا"، وأنت تدرك أنهم لا يفهمون شيئا، باستثناء تلميذين أو ثلاثة، اختاروا ألا يكونوا حميرا، متأثرين بك للأسف..
هل تشعر بالذنب لأجلهم، أم لأجل الطلاب الحمير؟!
تتذكر تجربتك، والأيام الضائعة من عمرك قبل أن تقرر أن تصبح حمارا، ثم تدندن في نفسك ساخرا:
“كن حمارا، تر الوجود جميلا..!”
ثم تكرر الشرح نفسه كالببغاء في الدرس بعد الظهر.. لا يفهمان شيئا بطبيعة الحال.. من قال أن الحمير تفهم الشعر؟!

٢٠١٠-٠٥-٠٥

أخطر ثغرة في التعليم المصري



التعليم الحكومي في مصر يبدأ بثغرة في تعليم اللغة العربية، قد تبدو بسيطة، لكنها تنتج متعلما لا يجيد القراءة أصلا!
تعلم اللغة العربية يجب ان يبدأ بتعلم الحروف الهجائية (قراءة وكتابة وصوتا)، والأهم بعد بعد ذلك تعلم الحركات.
الحركات في اللغة العربية ليست هي الحركات البسيطة مثل اللاتينية.. هل تعرف أن الحركات في اللغة العربية ثلاث عشرة حركة؟!
أي أن الحرف الواحد يمكن أن ينطق بثلاث عشرة طريقة:
الفتحة، الكسرة، الضمة، السكون، الشدة، تنوين الفتح، تنوين الكسر، تنوين الضم، الفتحة مع الشدة، الكسرة مع الشدة، الضمة مع الشدة، تنوين الفتح مع الشدة، تنوين الكسر مع الشدة، تنوين الضم مع الشدة.
لسبب ما سقطت هذه النقطة من تعليم القراءة في المدارس المصرية، سهوا أو عمدا، ليبقى مكانها خاليا كفجوة مشوهة في أساس مبنى كبير، قد يسقط تماما بدون هذا الحجر الصغير..
ربما اعتمدوا على أن الطفل سيتعلم الحروف والحركات في مرحلة الروضة، وهو ما لا يحدث إلا في مدارس اللغات، وهي ليست بخيار وارد أصلا بالنسبة لأسرة مصرية عادية.
للأمانة أقول إن المناهج لا تخلو تماما من هذه الحركات، لكنها موزعة على دروس أولى وثانية، وربما ثالثة ابتدائي أيضا، وهذه استراتيجية جيدة، تهدف إلى تعليم الحركات من خلال الكلمات، وتقوم على نظرية من نظريات علم نفس التعلم، مفادها أن الإنسان يتعلم الجزء من خلال الكل بشكل أفضل.. جميل.. لكن المدرس - وكذلك أولياء الأمور - لا يدركون أن الهدف من هذه الدروس هو تعليم الحركات وليس مجرد تحفيظ كلمات. والنتيجة أنهم يعلمون الطفل ما يظنون أنه الهدف: حفظ كلمات جديدة وكتابتها..
 كريم كان تلميذا عندي، في الصف الثاني الإعدادي للمرة الثانية، لكن أباه يظنه في الصف الثالث، وأمه تخفي عنه ذلك بالاتفاق مع إدارة المدرسة، لأنه - أباه - "شديد" ولو عرف بهذه المصيبة لربما قتله!
بعد ملاحظتي لكريم، وجدت أنه أميّ تماما..
في الصف الثاني الإعدادي ولا يستطيع قراءة اسمه.. لكنه يحفظه فحسب!
أخبرت أمه أنه لن يستوعب شيئا من منهج ثانية إعدادي، ولا مفر من بداية تعليمه القراءة والكتابة..
كريم ليس حالة نادرة، بل هو نموذج شائع جدا.. كثير منهم يحصل على الشهادة الإعدادية وهو مازال أميا..
أين مدرسو اللغة العربية من هذا؟
مدرس الفصل لا يجد حيلة معه، بعضهم يحاول عمل مجموعات تقوية لمثل هؤلاء، لكن هذا لا يفلح غالبا، لأن الطفل يكون قد فقد الرغبة في التعلم منذ زمن، ويكون ماهرا في التملص من كل أنشطة التعلم..
المشكلة الأكبر ان المدرس نفسه قد يكون "فاقدا للشيء".. فكيف سيعطيه؟!
في كلية التربية - حيث درست - بقسم اللغة العربية، درسنا "علم العروض"، الذي يبحث في موسيقى الشعر.. علم العروض يعتمد بشكل أساسي على تحويل كل حروف اللغة إلى حركات وسكنات فحسب، اعتمادا على حركت النطق.. الموضوع يعتمد بشكل أساسي على الحركات.. هذا شيء بديهي!
اكتشفت أن أكثر من تسعين بالمائة من زملائي لا يجيدون التعامل مع الحركات.. عندما تسمع كلمة ما مثل: "تقدمٌ" من البديهي أن تدرك - بمجرد السمع - أن الدال تُنطق بشَدة وضمة.. هذه مهارة يتدرب عليها الطفل منذ حداثته.. حسنا.. لم أجد أحدهم يفهم شيئا من هذا!
كانت هذه المادة كارثة بالنسبة للجميع تقريبا، ماعدا العبد لله (تعلمت القراءة في الكتّاب)، وصديقي الفلسطيني سائد (دراسته كانت في فلسطين، وكان ماهرا حقا، وأربع أو خمس من زملائنا من محافظات أخرى، كلهم يحفظون القرآن الكريم، وزميلتنا المنتقبة "أم ياسر"..
لك أن تتخيل أنني كنت أعد جلسات لزملائي لأدربهم على الحركات ونطقها وتمييزها اعتمادا على منهج كتاب المطالعة الأولية القديم (الذي نعرفه في مصر باسم "كتاب وزن")!
كثير من مدرسي اللغة العربية من جيلي الذين عرفتهم في مدارس مختلفة كانوا يعانون من ضعف واضح في هذه النقطة.. لكن المدرس يمر بمراحل عميقة في دراسة علوم اللغة العربية، فيسد هذه الثغرة، لكن دون وعي منه، فيبقى جاهلا بأهميتها..
الحركات ليست مجرد درس سقط سهوا، وإنما هي حجر أساس مفقود، في بناء لن يكون بدونه إلا ضعيفا واهيا..
في تجربتي في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الأكاديمية العربية، نستخدم منهجا متدرجا لتعليم الحروف والحركات بالمبدإ نفسه الذي كان يُستخدم في "كتاب وزن"، بعد تطويره طبعا ليناسب الاستراتيجيات التعليمية الأحدث..
كنت أواجه صعوبات ومشكلات في تعليم الطلاب هذه المرحلة (مرحلة الحروف والحركات)، مثل صعوبة نطق بعض الأصوات العربية كالحاء والعين والضاد، وصعوبة التفرقة بين بعض الحروف التي تبدو في سمع الطالب الأجنبي متشابهة، مثل الحاء والهاء، والكاف والقاف، والسين والصاد.. إلخ.. كل هذه صعوبات متوقعة ولا نتوقع التغلب عليها بنسبة كافية في هذه المرحلة، ولا نتركها تبطئ من سرعة عملية التعليم.. لكن أية عقبات تواجهني في إدراك واستيعاب الحركات ونطقها والفروق بينها تعني أنني يجب أن أتوقف هنا.. هذه أشياء لا يمكن تجاوزها.. هي ليست مجرد معلومات يجب أن "يعرفها" الطالب.. هذه "مهارات" يجب أن يجيدها، حتى يمارسها بعد ذلك بالبديهة..
أشياء كهذه يفتقدها أغلب خريجي المدارس الحكومية الذين اعتمدوا تماما على تعليم المدرسة، ولم يجدوا من يسد الثغرة.. والنتيجة أن لدينا الآن أجيالا من المدرسين والمحامين والصحفيين والإعلاميين لا يجيدون القراءة باللغة العربية..
كان أستاذي العظيم "د. زكريا توفيق" يدرّس لنا علم الأدب الأندلسي في الجامعة، وكان يطلب من بعض الطلاب أن يقرأوا بعض المقاطع من الكتاب جهريا، فكان يقول لهم "انتو ما بتعرفوش تقروا"!.. وقضى الرجل الفصل الدراسي يعلمنا القراءة والأدب الأندلسي - على التوازي - لأن ضميره لم يسمح له بالتغاضي عن جيل سيخرج من تحت يده ليدرّس اللغة العربية للأطفال وهو لا يجيد القراءة!
لكن أغلب الزملاء لم يكن يهتم إلا بما سيأتي في الامتحان، فلم يستفيدوا منه شيئا.. دعك من الآلاف الذين يتخرجون من كليات التربية سنويا، دون أن يجدوا أستاذا مثل د. زكريا توفيق..
إنهم كثيرون حقا.. إنهم حولنا في كل مكان، يدرّسون اللغة العربية، ويوحون لك بأنهم جهابذة اللغة، وهم لا يفوقونك - أنت غير المتخصص - إلا بأنهم صاروا "يحفظون" قواعد النحو الأساسية التي يدرّسونها لطلابهم، بينما أنت لا تملك إلا أن تصدقهم ولا تملك أن توقن من شيء، لأن مصيبتك أكبر طبعا.. 
لو درست أنا اللغة اليابانية لشهر واحد، وأنت لا تفقه شيئا عنها، فمن السهل علي أن أوهمك أنني أجيد اليابانية كأنني ولدت في اليابان، وربما أقنعتك أيضا أنني أجيد الصينية والكورية كذلك، لأنك على الأرجح لن تفهم الفروق بينها! 
هذه الكارثة ليست في كليات التربية فحسب طبعا، فنظرية الأواني المستطرقة لا ترحم أحدا، والمجاري الطافحة - حفظكم الله - تتسرب إلى كل شيء، ولا تستثني شيئا، إلا من رحم ربي، ممن فاق ذكاؤهم أعمارهم، أو نشأوا في بيئة نجحت لسبب ما في سد الثغرة.. 
الحل الأسهل في رأيي - وأنا لا أمزح هنا - هو إعادة تدريس "كتاب وزن" في المرحلة الابتدائية، وتدريسه أيضا للفرقة الأولى من أقسام اللغة العربية في الجامعات على سبيل الاحتياط!

٢٠١٠-٠٥-٠٣

يارا



اسمها يارا..
كنت مدرسا للمرحلة الإعدادية في مدرسة روضة/ ابتدائي/ إعدادي خاصة. وكنت أمشي في الممرات بين الفصول، عندما وجدت (ميس شيماء) مدرّسة الكي جي تقف أمام فصلها تبحث عمن ينجدها.. كانت طفلة من فصلها تبكي بحرقة، ولم تفلح في إقناعها بالتوقف عن البكاء..
سألتها عما بها، فأخبرتني أنها لا تريد أن تمكث في الفصل، و"عايزة تروح لماما"!
- أختها في سنة رابعة.. ممكن توديهالها يمكن تهديها شوية؟ عشان أنا مش هينفع أسيب الفصل.
نزلت إليها نصف جالس، لأصبح في مستواها، وقلت لها بلهجة قد تبدو مضحكة لمن يسمعني:
- ايه مالك؟ بتعيطي ليه؟
- مش عايزة أقعد هنا.. عايزة ماما!
- مش عايزة تقعدي هنا ليه؟ ده الفصل جميل! طيب خلاص ما تعيطيش.. تيجي نروح لأختك؟
- آه..
هدأت قليلا وكفت عن البكاء عندما علمت أنها ستذهب لأختها، وإن لم تجف دموعها بعد..
- هي اسمها إيه؟
- سارة.
- وانتي اسمك إيه؟
- يارا!
ضحكت، وقلت لها مشاكسا:
- انتي سارة وهي يارة؟
قالت وقد انتابتها جدية مفاجئة وهي تصحح لي في:
- لأة! أنا يارة وهي سارة!
- طيب ما أنا فهمت.. انتي سارة وهي يارا!
أدركت أنني أداعبها، فضحكت واستمرت تصحح لي وقد أعجبتها لعبتي الساذجة:
- لأ باقولك.. أنا اللي يارا.. هي سارة!
- طيب يا سارة.. وأنا محمد!
ضحكت مرة أخرى.. لم تمل من اللعبة المكررة!
طفلة جميلة هي، "كلبوظة" قليلا، مريولتها جميلة مكوية بعناية، وشعرها مصفف بعناية كذلك، يعلو كل ضفيرة من ضفيرتيها شريط ملون جميل.. مظهرها ونظرتها البريئة الخائفة يوحيان بأن هذه أول مرة تبتعد فيها عن حضن أمها..
استأذنت مدرّس فصل سارة، فناداها لنا.. هرعت يارا إليها باكية من جديد..
تشبهها كثيرا.. نسخة منها أكبر سنا قليلا، مع بعض الثقة والشاوة التين تفتقدها يارا..
حاولت سارة طويلا أن تهدئ من روعها حتى كفت عن البكاء أخيرا..
بعد قليل ظللنا واقفين هكذا، وسارة تنظر إلي وهي ما زالت ممسكة بيدها، وتبتسم مرتبكة.. تريد أن تذهب إلى فصلها، لكن ماذا عن يارا؟!
- طيب.. روحي انتي فصلك..
لم تبكِ يارا.. اطمأننت إلى أنها هدأت أخيرا..
- تروحي الفصل بقى؟
- لأ.. أنا عايزة ماما..
وبكت من جديد!
- طيب خلاص خلاص.. ما تعيطيش.. بلاش الفصل.. تيجي نلعب؟!
- لأ.. مش عايزة ألعب!
كفت عن البكاء بعد قليل، لكن نظرتها الخائفة لم تفارقها.. وقفت أنظر إليها لا أدري ماذا أفعل.. هي لا تريد الفصل.. أظن أنها لم تعتد وجود كل هذا العدد من البشر، وأصابها الفزع من كل هؤلاء البشر!
لحسن الحظ لم يكن لديّ حصصا وقتها..
- ياللا ننزل تحت؟
تركت لي يدها مستسلمة، وراحت تنزل السلم معي درجة درجة كما يفعل الأطفال في سنها..
نزلنا إلى الفناء، واشتريت لها بعض البسكويت والحلوى، لكنها أبت أن تذوق شيئا منها، وإن بدأ الخوف يفارقها، ونست قليلا مشكلة الفصل والبكاء والعودة إلى ماما.
جاءت فسحة ابتدائي، وامتلأ الفناء بالتلاميذ الذين راحوا يهرولون في كل مكان، كأنهم حريصون على ملئ كل الفراغات في الفناء. وجاءت سارة.. تركت لها يارا وذهبت..
كان يجب أن أذهب لأصلي، وأواصل حصصي..
بعد حصتين، مررت على فصل يارا.. كان الباب مفتوحا، والميس تجلس على مقعدها المواجه للتلاميذ وقد أجلست يارا بجانبها، لكنها لم تكن تبكي...
***
في اليوم التالي انشغلت في حصصي من بداية اليوم، حتى فسحة ابتدائي، فنزلت لأتوضأ..
مررت بالفناء فوجدت الضجيج المعتاد لتلاميذ الابتدائي في الفسحة، وجدت شجارا فوقفت أفضه، وجاءت بنت من سنة ثالثة تشكو لي زميلتها التي دفعتها.. هكذا شرعت أحقق في الأمر وأقضي فيما بينهم، حتى لمحت يارا.. كانت جالسة على رصيف الفناء في ركن بعيد عن أماكن الشجار واللعب.. مستكينة هادئة شبه منكمشة، تمسك في يدها كيسا به سندوتشاتها لكنها لا تأكل..
ذهبت إليها فتهلل وجهها حين رأتني.. جلست بجانبها على الرصيف.
- إزيك يا يارا؟ مش بتاكلي أكلك ليه؟
- موش عايزة!
- ليه؟ موش عايزة ليه؟ لأ لازم تاكلي أكلك..
- لأ موش جعانة..
- طيب هاتي سندوتش ليا بقى!
ضحكت ومدت يدها لي به، فضحكت ورحت أواصل محاولات إقناعها بأن تأكل.. بعد ان ضحكنا قليلا بدأت تأكل فعلا.. كأنها اعتادت ألا تأكل إلا بعد أن يُقال لها.. أو لعلها لم تعتد أن تأكل وهي وحيدة..
***
بعد أيام أصبحت أعتاد أن أبحث عن يارا في الفناء وأنا ذاهب لأصلي، فأجدها تجري وتتقافز في مرح وانطلاق في الفناء، ثم تتوقف وتعود لتجري في اتجاه آخر، وكأنها لا تدري إلى أي اتجاه تنطلق، وهي تمسك بيدها سندوتشا، وبيدها الأخرى كيس السندوتشات.. لكن وحدها أيضا..
أناديها فتجري إليّ مسرعة، فأحملها خطفا من الأرض، وهي تقهقه فرحة، ثم أنزلها وأنزل نصف جالس بجانبها لأسألها عن فصلها ومدرّستها والمدرسة...
***
عندما تركت المدرسة في العام الدراسي نفسه كنت مقتنعا تماما بذلك، فمن العبث أن أستمر في العمل هنا بمائة وأربعين جنيه شهريا دون دروس خصوصية، خاصة أنني تحمست كثيرا للوظيفة الجديدة التي وجدتها.. لكنني عندما أتذكر يارا أعرف أنني خسرت كثيرا...

٢٠٠٩-١١-٠١

استراتيجية كشكول التحضير..!

كنت قد كتبت منذ فترة طويلة هذه التدوينة، ومنذ أيام جاءني تعليق من الأستاذة (غزالة) - وهي أستاذة بمعهد الوفاء الأزهري - مما استفزني لكتابة هذه التدوينة:
تركت العمل في المدرسة الإعدادية، وانتقلت للعمل بالتدريس للأجانب..
لكنني الآن أفتقد تلاميذي الصغار.. أبنائي دون مبالغة.
لماذا تركتهم إذن؟
من العبث أن تعمل وأنت غير مقتنع بجدوى لما تفعله.. تخيل أن كل مدرس في المدارس الحكومية مطالب بأن يكتب "تحضير الدرس" في
دفتر التحضير، بواقع صفحتين لكل حصة يدخلها، وهي من 6 إلى 8 حصص يوميا.. لماذ يكتب كل هذا؟ نظريا لأن هذه هي "خطة الدرس"
التي سيسير عليها في الفصل، لكنه - عمليا - يعمل بالطريقة التي اعتاد عليها منذ تخرج وعمل بالتدريس.. النتيجة أن هذا أصبح مجرد عبء وروتين لا جدوى له، ويلجأ معظم المدرسين إلى نقل التحضير من الدفاتر القديمة..
أذكر أنني - في أول احتكاك لي مع موجه لغة عربية - ناقشته في طريقة كتابة تحضير الدرس، لأنه اعترض على طريقتي، وخصوصا صياغة الأهداف، واكتشتفت أن الرجل لا يعرف أصلا الأسس الصحيحة لكتابة الأهداف، وأنه (حافظها كده!).
كانت مسألة تحضير الدرس هذه أزمة بالنسبة لي في البداية، لأنني كنت أتبع الطريق النظرية التي تعلمتها، وكنت - بسذاجة مفرطة -أنوي التدريس باستخدام الاستراتيجيات الحديثة التي تعلمتها، فكان هذا يتطلب وقتا وجهدا للتحضير للدرس.. لكن تزمت النظام المدرسي والإداري في مسألة كتابة تحضير الدرس في دفتر التحضير كان مشكلة..
حاولت إقناعهم أنه من العبث أن نصر على هذه الطريقة، بينما لدينا أجهزة كمبيوتر، نستطيع تحضير دروسنا من خلاله، فنستفيد من أعمالنا السابقة ومن أعمال الآخرين، فنأخذ ما يناسبنا ونطوره و...
لكن يبدو أن هذا كان أكثر مما يحتمله تفكير مدير مدرسة مصرية تقليدية..
طبعا اضطررت إلى مجاراتهم، ونسخ التحضير كيفما اتفق، وإن لم أتخل تماما عن طريقتي..
أعتقد أنها كانت تجربة ناجحة، لكنها لم تكن لتستمر وأنا أتقاضى 140 جنيها شهريا ولا أعطي دروسا خصوصية..
أما عن تلاميذي / أبنائي.. فهذه تدوينة أخرى..

٢٠٠٨-٠٩-٠٦

درس: عصر التشهير بالعرب والمسلمين

مقال شهير  كتبه د. أحمد خالد توفيق بعنوان "رسالة كراهية حارة صادقة"، لخص فيه مقاطع كاملة من كتاب عصر التشهير بالعرب والمسلمين (للدكتور جلال أمين)، اخترت بعض المقاطع منه لتكون موضوع المحادثة مع الطالب (دكتور مصري يعيش في أمريكا، ويدرّّس العلوم الاجتماعية - ومنها أجزاء مهمة عن الأدايان والأديان المقارنة.. وبالمناسبة، الرجل مسلم متدين جدا، لكنه ضعيف في اللغة العربية، يتكلمها بصعوبة كالأجانب)..

بدأنا بهذا المقطع من مقال د. أحمد:
ثم يهاجم بقسوة مبدأ  تحسين صورة الإسلام أمام الغرب .. هل يمكن تجاهل الفارق بين مخاطبة شخص حسن النية يريد الإنصات لك ومستعد لتصحيح ما لديه من أخطاء، مع شخص سيئ النية على استعداد لعمل أي شيء للإضرار بك وقضيتك ؟. وهكذا لن يفعلوا إلا أن يحجبوا صوتك عمن تريد مخاطبتهم، أو يستفزوك فتندفع لقول ما لم تكن تريد قوله..  إن لهجة الغربيين في الكلام عن الإسلام ليست ما يثير الرغبة في تحسين صورة الإسلام عندهم، فهم أساءوا الكلام عن شيء نبيل، ومحاولة تبرئة النفس أمام ظلمهم الصارخ لا تخلو من إذلال ...
 
قال الطالب – د. وليد – معلقا على الجزء الأول من هذه الففرة: من يقصد الكاتب بالشخص سيء النية؟
قلت: لعله يقصد أمريكا بوصفها دولة.. وربما يقصد الحكومات الغربية، أو وسائل الإعلام الغربية..
قال: إن أمريكا تختلف كثيرا عن أوروبا.. من خبرتي الشخصية في تدريس الأديان بالجامعات الأمريكية وجدت أنهم يتقبلون الآراء الأخرى بسهولة، وهم مستعدون تمام لتقبل أي رأي تثبت لهم صحته..
وحكى لي عن مجموعة من الطلاب كانوا سيدرسون معه منهجا دراسيا عن "الأديان": اليهودية والمسيحية والإسلام، وحتى المعتقدات البوذية والكونفوشيوسية والديانات القديمة..
قبل البداية في دراسة هذا المنهج وجه إليهم جميعا سؤالا: ما رأيك في الأديان الأخرى، وهل يمكن أن تكون صحيحة؟
بعد دراسة هذا المنهج كرر عليهم السؤال نفسه.. والنتيجة:
70% منهم قالوا أنهم أصبحوا يعتقدون أن الإسلام دين من عند الله، وأن المسلمين قد يدخلون الجنة، (وإن كان هذا لا يعني أنهم قرروا اعتناق الإسلام!) وأن المقربين السابقين من المسلمين كالقديسين الأوائل في المسيحية .. وحتى الـ30% الباقين فإنهم كثير منهم يرى أن الإسلام دين من عند الله ولكن القديسين عندهم أعلى درجة من المسلمين الأوائل!
هناك من هم معادون حقا، وليسوا مستعدون للإنصات لك.. لكنهم في أمريكا قلة حقا.. الأغلبية منهم جاهلون، وهم مستعدون لتصحيح أفكارهم.. ولكن عليك أن تصل إليهم..
إذن فهؤلاء أناس مستعدون للإنصات لك.. لماذا لا تحاول الوصول إليهم، وتصحيح الأكاذيب التي ينشرها المغرضون؟
قلت له: وكيف تصل إليهم؟
قال: أفضل وسيلة – بلا شك – هي المسلم ذاته.. المسلم الذي يتعامل معهم بأخلاقيات الإسلام السمحة، هو أبلغ من ألف كتاب أو فيلم أو ندوة.. ولو أنك تتعامل مع خمسين شخصا ونقلت لهم هذه الصورة فهذا يكفي تماما..
لكنه أكد على نقطة مهمة: أوروبا تختلف تماما عن أمريكا.. نحن نتعامل مع الغرب بوصفه هو أمريكا وأوروبا معا.. لكن الحقيقة أن أمريكا تختلف عن أوروبا.. إن العداء للإسلام في أوروبا أشد، لأن أوروبا أغلبها ملحدون.. وحتى المسيحيين واليهود منهم، فإنهم كذلك بالاسم فحسب، وفي الحقيقة هم بلا دين.. أما المسلمين فهم – على الأقل بالنسبة للمسيحيين واليهود – متمسكون بدينهم بقوة.. ولذلك فإن العداء للإسلام هناك أكبر من العداء للأديان الأخرى، وإن كنت ستجدهم يسخرون من الأديان كلها ومعتقداتها.. هذا العداء يزيد مع الإسلام لأنه الأقوى، ولأن الحضارة الإسلامية مازالت لها أصداء قريبة إلى حد ما.. فنحن لسنا بعيدين إلى هذا الحد من القرن الثامن عشر!
لذلك نجد المشاكل تواجه المسلمين في أوروبا، بينما يندر هذا في أمريكا.. كانت هناك مشاكل بسبب الحجاب في أوروبا – فرنسا تحديدا - لكن في أمريكا لا مشكلة تقريبا بسبب الحجاب.. وإن كان هذا لا ينفي  وجود بعض الخوف من المسلمين، والشك فيهم، بسبب التشويه الإعلامي المستمر لصورة  الإسلام والمسلمين..