2006-08-19

ممتاز لكن عنيد


تجربة جديدة مررت بها لمدة أربعة أيام ، بتحريض من أختي (نجوى)..
معهد الوفاء الأزهري الذي تعمل به.. هي مدرسة ابتدائية وإعدادية خاصة تابعة للأزهر.. قدمت فيه للتعيين (مدرس عربي طبعا) فكانت الاستجابة مبشرة.. معاد للامتحان التحريري في اللغة العربية.. امتحان حربي! عصرونا! لكني أعرف مستواي جيدا (الحمد لله. . ليس غرورا) فكنت الأول أو الثاني -لا أعرف - فينتيجة هذا الاختبار.. وبعد؟ دورة تدريبية خمسة أيام لم أحضر أولها ثم انتظمت بعدها..
لم أحصل على معلومات جديدة تقريبا.. هي المعلومات والنظريات والأساليب التي درستها في الكلية، لكن التركيز هنا كان على التطبيق.. على الجانب العملي.. وهذا ما كنت أفتقر إليه حقا..استفدت كثيرا بلا شك.. كادت المعلومات التربوية هذه تصدأ في رأسي!
الحقيقة أنني عشت وتمثلت في هذه الأيام كيف يجب أن تكون الصورة المثالية للتدريس بافتراض توافر الإمكانات؛ فمشكلة أي مدرس في مصر أنه فور تخرجه يجب أن ينسى كل ما تعلمه عن طرائق التدريس الحديثة ؛ لأن الإمكانات محدودة ، وعليه أن يكيف نفسه على التعامل بالسبورة والطباشير.. فإذا ما حضرت بعض الإمكانات بعد ذلك لم يستطع أن يستغلها أو يوظفها تربويا كما ينبغي.. وهكذا نظل ندور في هذه الدائرة..
هنا توافرت الإمكانات.. الشرح طوال مدة الدورة كان بالبروجكتور والوسائل الإيضاحية .. وفي أحد الأيام جلبوا جهاز data show واستخدموه في الشرح ..وفي نهاية الدورة ، حين طلبت هذا الجهاز وأعددت درسا بالباوربوينت ، إلى جانب كاريكاتير رسمته لأستخدمه في التمهيد للدرس..
الجميل في الموضوع هم البشر الذين قابلتهم هناك.. أروع مجموعة من البشر يمكنك أن تقابلها.. أعترف أنني كرهت أغلب المدرسين الذين قابلتهم بعد التخرج ؛ بسبب هذا التعامل الروتيني الغبي مع التدريس.. مدرس النحو مثلا : يحفظ تماما كل الدروس التي يقوم بتدريسها عن ظهر قلب.. لكن ناقشه في أي نقطة في اللغة تستدعي تفكيرا أو إعمالا للعقل أو مرونة فكرية.. لا تجد.. جمود.. هذه هي الكلمة المناسبة هنا.. لكن المدرسين هنا أبهروني بالعكس تماما.. تصور مدرسا محترفا منذ عشرة سنوات على الأقل ويجلس في مقعد الطالب من جديد ، ويقبل أن تناقشه في الطريقة الأنسب للتدريس ، ولديه استعداد تام للاعتراف بخطئه إن أخطأ.. هذا لن يفشل أبدا..احفظ هذه: من يشعر أنه وصل في العلم إلى مكانة عالية ، فاعلم أنه سيتوقف عن هذا القدر ولن يتعلم شيئا بعد ذلك ، بل إن مستواه سينخفض تدريجيا بالنسبة لأي خريج جديد لأن العلم نفسه لا يتوقف ثانية واحدة.. لن ينتظره أحد..
أتذكرون أحمد زويل بعد نوبل؟ لن أنسى أبدا قوله (الذي كان واضحا أنه شعور حقيقي لديه) أنه مازال يشعر أنه ما زال تلميذا ، ولديه الكثير ليتعلمه.. هذا ليس تواضعا، لكنه تفكير واقعي محض.. أنت لديك قدرات إنسان ذكي مبدع، لكنك تعيش في مجتمع من محدودي الذكاء أو "ذوي الاحتياجات الخاصة" .. فماذا يمكنك أن تحقق؟ ومتى سترضى عن نفسك؟.. هل ستفكر فيما (يمكنك) أن تصل إليه ، أم في الحد الأدنى للمطلوب منك في مجتمعك؟

لو قارن زويل نفسه بأستاذ جامعة مصري لما حقق شيئا.. لكنه قارن نفسه بمن امتلك عقلا كعقله.. بآينشتاين ونيوتن.. وعندما فعل شعر أنه لا شيء بالنسبة إليهم.. وظل يعمل حتى أصبح مثلهم.. وما زال يعمل لأنه مازال يرى نفسه أقل منهم.. سيتوقف فحسب عندما يشعر أنه أصبح عالما عظيما..

المهم.. كل هذا جميل؟.. أعجبتهم أفكاري، وإجادتي للكمبيوتر، وأشادوا بمستواي العلمي، ورفضوا قبول انضمامي لهم لأنني عنيد!..

أنا لم أنكر لحظة – ولا أخفي – مسألة عنادي هذه.. لكنني لم أتصور أن أفقد وظيفة بسبب عنادي!.. كيف عرفوا؟ من مناقشاتي في المحاضرات.. قالوا أنني لا أبدي استعدادا للتخلي عن رأيي.. وهذا صحيح طبعا.. إذا كان رأيي صحيحا فلماذا أتخلى عنه؟.. لا أرفض قبول أي رأي آخر.. لكن أقنعني.. ما حدث في هذه المحاضرات كان خلافا حول مسألة لغوية (كلمة أرى أنها خطأ ويرون هم أنها صواب).. قال المحاضر: لكن هذه الكلمة صحيحة على عكس ما يظن البعض.. سألته عن السبب ، وشرحت له السبب في كونها خطأ، فلم يبد استعدادا لسماعي أساسا، وحاول إقناعي بطريقة (احفظها كدة .. هما قالوها لنا كدة).. فأصررت على مناقشته، لكني لاحظت استياء من ممثلي المعهد، فآثرت الصمت والاحتفاظ برأيي لنفسي، متجاهلا ثقتي في أنني أستطيع إقناعهم جميعا..

قال لي العالمون ببواطن الأمور بعدها أنهم يريدون من يسمع الكلام دون مناقشة.. مش عايزين قلق ووجع دماغ..

حزين؟

مطلقا..

بل أقاوم سعادتي الغامرة.. هذا الفخر الغبي، والشعور المزيف بالبطولة: أنت خسرت بسبب رأيك، الذي تظن أنه صحيح..

مرحى أيها البطل.. العاطل!