2010-05-30

ثلاثون يوما من التدوين.. وماذا بعد؟

وانتهى الشهر كما تنتهي كل الشهور. ثلاثون تدوينة كتبتها هذا الشهر في حملة 30 يوما من التدوين التي أطلقتها داليا يونس، وماذا بعد؟
هل سترجع ريما إلى سابق عهدها؟
كان السؤال الذي سألته لنفسي في أولى تدوينات هذا الماراثون التدويني: ولماذا كان التوقف عن التدوين أصلا؟
ذات مرة سألت أحد المدونين عن سبب توقفه عن التدوين، فقال لي "كل شيء أصبح على الفيس بوك"!
أعترف أن الفيس بوك كان من أسباب ابتعادي أنا أيضا، لكنني لم أفضله قط.. الفيس بوك رائع في التواصل الاجتماعي، لكن لا شيء فيه يبقى، الفيس بوك يشبه الجريدة، بينما المدونة تشبه الكتاب.. وأنا متحيز للكتاب!
مر الشهر وانتهت تجربة التدوين اليومي، التي كانت تجربة ناجحة في رأيي.
وبعد؟
لن أستمر في التدوين يوميا، ولن يستمر أحد المشاركين في الحملة كذلك. كنت قد قرأت من قبل عن أهمية الانتظام في التدوين، بالنسبة لكل من المدون، والقارئ، ومحرك البحث أيضا، لكنني - الآن - أعرف أن هذا من أسس التدوين.. المدونة يجب أن تكون كالجريدة أو المجلة، هل رأيت من قبل جريدة أو مجلة تصدر  "بظروفها"؟
يقول "جون تشو" (مدون متخصص في التسويق الإلكتروني):
"مدونة لا يتم تحديثها باستمرار هي مدونة ميتة. إذا كنت لا تستطيع الالتزام بالتدوين المنتظم في مواعيد ثابتة، فمن الأفضل أن تتوقف حتى يصبح بإمكانك أن تفعل. من هنا تأتي أهمية أن تدون عن أمور أنت مولع بها. إذا كنت مولعا بشيء ما، فهناك احتمالات أكبر أنك ستستمر في التدوين عنه. في الوضع المثالي في رأيي:  يجب أن تحدث مدونتك كل يوم".
لكنه يقول أيضا: "تدوينة أسبوعية منتظمة أفضل كثيرا من تدوينة يومية لا تلتزم بها"!
بالنسبة لي، ربما يومين أو ثلاثة كل أسبوع، في مواعيد محددة.. سأحدد هذه المواعيد لاحقا، أما الآن فدعونا نحتفل بآخر الشهر..!


القهوة.. غذاء الروح!

يختلف الناس في سر القهوة وتختلف آراؤهم: الرائحة, االلون, المذاق, القوام, الخلطة, الهال, درجة التحميص, شكل الفنجان, وغير ذلك من المواصفات. أما أنا فأرى أنه  "التوقيت". أعظم ما في القهوة "التوقيت", أن تجدها في يدك فور أن تتمناها. فمن أجمل أناقات العيش, تلك اللحظة التي يتحول فيها "ترف" صغير إلى "ضرورة". والقهوة يجب أن يقدمها لك شخص ما. القهوة كالورد, فالورد يقدمه لك سواك, ولا أحد يقدم وردا لنفسه. وإن أعددتها لنفسك فأنت لحظتها في عزلة حرة بلا عاشق أو عزيز, غريب في مكانك. وإن كان هذا اختيارا فأنت تدفع ثمن حريتك, وإن كان اضطرارا فأنت في حاجة إلى جرس الباب. والقهوة ألوانها مذاقات وأذواق, الشقراء والغامقة والمحروقة والوسط. ومن ملامح من يقدمها لك, وظروف تقديمها, تكتسب معانيها المختلفة. فقهوة التعارف الأول غير قهوة الصلح بعد الخصومة, وغير قهوة يرفض الضيف احتساءها قبل تلبية ما جاء يطلبه. وقهوة الكتابة غير قهوة القراءة, وهي في السفر غيرها في الإقامة, وفي الفندق غيرها في البيت, وقهوة الموقد غير قهوة الآلة. وهي من وجه مرح مليح في المقهى غيرها من وجه متجهم منكود. وإن قال لك زائر الفجر وهو ينتزعك من عائلتك ويقتادك بلطف رسمى وابتسامة مسلحة, نريدك على قهوة "عندنا" فهذا أحد أنواع الخطف أو القتل. فالغبي هو من يطمئن لقهوة الحكومة. وقهوة العرس غير قهوة العزاء حيث تفقد "القهوة السادة" كل معانيها, يديرها على الجالسين المنكوبين ساق منكوب لا يعرف ضيوفه ولا يسألهم كيف يفضلونها, فلا الساقي هو الساقي ولا القهوة هي القهوة وفنجانها مخروطي بلا أذن, لا يعنيك توقيتها ولا مذاقها وهي آخر ما يهمك في يوم كذلك اليوم, كأن اسمها سقط عنها إلى الأبد.
مريد البرغوثي - من كتاب "ولدت هناك.. ولدت هنا"
شكرا إيما :)


2010-05-29

لماذا لم يتعلم السياحة والفندقة في كلية الآداب قسم فلسفة؟

- 1 -
أنهى تعليمه الثانوي كيفما اتفق، وحصل على مجموع متوسط.. لم يكن يبالي أصلا.. اختار الكلية - أو اختيرت له - بالاستبعاد: لا يحب اللغات، وليس جيدا فيها، ولا يطيق المواد العملية، وليست له ميول فنية أو رياضية أو أدبية.. بعد استبعاد كل ذلك تبقت له بعض الكليات، كان أسهلها (أو أعلاها مجموعا): كلية الآداب (انتساب) قسم الفلسفة..
مجموعه كان يتيح له كليات أخرى، مثل الحقوق وتجارة انتساب، لكن آداب انتساب كانت الأعلى مجموعا، ولهذا بدا له ولأسرته أنه ليس من المنطقي أن يهدر الدرجات الزائدة، فإذا كانت الآداب هي الأعلى مجموعا، فهي بالتأكيد - وبمنطق السوق - الأفضل.. ومن يترك الأفضل ليحصل على الأقل؟!
لا أحد طبعا!
قضى أعوامه الأربع في الكلية كيفما اتفق، وهي لا يدري ماذا يمكن أن يعمل بعد أن يتخرج من كلية الآداب قسم الفلسفة؟
أحب زميلة له وقرر أن يتزوجها..
بعد التخرج عمل مع أخيه (خريج آداب تاريخ) في مطعم سياحي على النيل.. بدأ بالعمل في أشياء مختلفة، حتى تعلم وأصبح ساقيا (جرسون)..
تقدم لزميلته وخطبها، واشترى له أبوه شقة من مدخراته، وزوجه..
والآن بعد كل هذه السنوات وقد رزقه الله بطفلتين جميلتين، مازال يعمل في المطعم ذاته، ولم يعد يمكنه أن يغير المهنة، وإن كان لا يمكنه القول بأنه يحبها.. أو يكرهها! لكنه لا يدري بالضبط لماذا كان يجب أن يدخل الجامعة؟
ماذا كانت فائدة كل هذا المجهود والوقت الضائع والمصروفات وقلق الامتحانات، إذا كان لم يتعلم شيئا يذكر ولم يستفد شيئا إلا أنه قابل زميلته التي أحبها وتزوجها؟
ألم يكن من الأفضل له أن يعمل في المطعم ذاته بدلا من سنوات الجامعة التي ضاعت؟
نظريا نعم.. لكن عمليا، وفي مصر: لا.
يجب أن يحصل على الشهادة الجامعية ليقبله أهل الفتاة التي سيتزوجها.. وكان يجب أن يزعم لأهله وللناس أنه يريد أن يتعلم لوجه العلم ذاته، وكان يريد أن يعيش حياة الجامعة بما فيها من حرية ومرح كالآخرين، وكان يخشى أن يجد نفسه في ورطة ما بعد التخرج، ويريد تأجيلها أطول وقت ممكن..
لم يستفد شيئا قط من دراسته بالكلية، لم يكن يحضر المحاضرات إلا لماما، وعندما كان يحضر لم يكن يركز فيما يقال، وعندما كان يسمع لم يكن يستوعب الكثير، وما كان يستوعبه لم يكن يكترث له أصلا..
زوجته أيضا كانت في القسم نفسه.. دخلت هذا القسم بطريقة الاستبعاد الشعبية ذاتها. لم تتعلم شيئا أيضا..
عملت بعد التخرج في سنترال صغير، حتى تزوجت من زميلها الذي أحبته.
عندما سألت نفسها فيما بعد عن جدوى كل هذه الدراسة في الجامعة، لم تجد سببا حقيقيا يقنعها.. لكنها كان يجب أن تفعل حتى يقبلها زوجها وأهله، وحتى لا يحسبونها جاهلة، برغم أنها - فعليا - لم تتعلم شيئا في الجامعة..
لقد دخلت الجامعة حتى تكون لائقة له، وهو دخل الجامعة حتى يكون لائقا لها.. وفي النهاية لم ير أي منهما غضاضة من أن يعمل في مطعم، لأن هذا عمل شريف، والعمل ليس عيبا..
لا أقول بأنه أخطأ عندما دخل كلية آداب قسم فلسفة، لكنني أرى أن الخلل في الجامعة نفسها.. كان يجب أن يتعلم فيها مبادئ السياحة والفندقة، ولغة أجنبية واحدة، لأن هذا ما كان يحتاجه حقا بعد ذلك..
***

- 2 -
إبراهيم مر بالظروف نفسها، أكمل تعليمه الثانوي بالطريقة نفسها، والتحق بالجامعة بالطريقة نفسها، لكن حظه ألقاه في كلية الخدمة الاجتماعية..
بعد التخرج عمل مصورا في المؤسسة التي أعمل بها. السبب أن هذا العمل لم يكن يشترط مهارات معينة،كانوا يريدون شخصا ما يمكنه التقاط صور بكاميرا رقمية، ثم ترتيب وتنظيم هذه الصور عندما تُطلب منه..
ولأن هذا العمل لن يملأ وقت العمل، فقد عهدوا إليه بأعمال تنظيمية، مثل تنظيم المكتبة والخزانة.. إلخ..
ومرت الشهور والسنون، وهو في هذا العمل، لا يرى أية بادرة للتقدم.. لا زيادة في الأجر تقريبا لأنه لا زيادة في المهارات أو العمل..
بدأ يبحث عن "كورسات". التحق بكورسات اللغة الإنجليزية وكورس جرافيك، وكلفه ذلك الكثير..
لم يكن موهوبا أو ماهرا في ذلك، لكنه تعلم مبادئ بعض برامج الجرافيك، والتحق بإحدى شركات التحريك، في عمل لا يتطلب أكثر من معرفة مبادئ الجرافيك.. ولا يشترط التخرج من كلية فنية مثلا.
المرتب هنا أفضل وقابل للزيادة.. سيستقر هنا.
هل أفادته الكلية بشيء، أم اكتفت بإضاعة أربعة أعوام من عمره سدى؟
لم يكن يبالي كثيرا بالأعوام التي ضاعت، وإن كان يفضل لو أن تعلم في الجامعة بعض برامج الجرافيك إلى جانب اللغة الإنجليزية.


تدوينة صوتية: كلموني بالفصحى..!

أول تدوينة صوتية لي..
تجربة جيدة، لولا أن "المونتاج" كان مرهقا.. كان يجب أن أختصر المقاطع منعا للإملال، ولأن الوقت الإجمالي وصل إلى 45 دقيقة.. اختصرتها إلى 26 دقيقة، لا أظنها ستكون مملة، خاصة وأنها تسجيلات قصيرة مع أشخاص مختلفين.
تجربة عملية واستطلاع رأي لما كنت أتحدث عنه في التدوينتين السابقتين.
المتحدثون هنا متنوعون حقا: مدرس لغة عربية، مبرمج يتعامل مع أجانب ويراهم يتحدثون الفصحى دائما، مبرمج آخر لم يفعل، طالب هندسة مثقف، طالب سياحة وفنادق.. إلخ..
بعضهم تحدث بجدية وبعضهم رأى الأمر كله فكاهة و"تهييس"، بعضهم تحدث الفصحى بطلاقة، وبعضهم تلجلج..
سألتهم بالفصحى؟
وهكذا أجابوا...



أو حمل الملف من هنا:  speakarabic-post.mp3


2010-05-26

الناس لا يفهمون ما أقول.. ألا يفهمون العربية الفصحى؟!

لو أجرينا اختبارا لتحديد المستوى في اللغة العربية على غرار التويفل، وطبقناه على خريجي الجامعات المصرية (كما قلنا في التدوينة السابقة)، لوجدنا الكارثة أكبر مما نظن بكثير.
المشكلة أن البعض يقولونها صراحة، أنهم لا يجيدون اللغة العربية، ولا يجدون غضاضة في ذلك، بل لا يجدون سببا واضحا لإجادتها.
اعتدت أن أرى صدمة طلابي الأجانب الذين درسوا العربية الفصحى عدة سنوات قبل مجيئهم إلى مصر، ثم حاولوا التحدث مع الناس في شوارع مصر.. الصدمة أن: "الناس لا يفهمون ما أقول! ألا يفهمون العربية الفصحى؟".
تخيل طالبا أجنبيا جاء إليك بلدك وقد تعلم اللغة العربية، وهو يعرف أن مصر دولة عربية، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، ثم حاول أن يحدثك بالفصحى.. ماذا ستقول له؟

"أنا لا أجيد اللغة العربية"؟
اكتبها إذن حتى لا تخطئ فيها.
هذا ما يحدث معه فعلا.. يحاول التفاهم مع الباعة أو السائقين بالعربية الفصحى، فيكون رد الفعل أن من يحدثه يضحك بشدة كأنه رأى "الأراجوز" ذاته، أو يحاول كبت ضحكه.. طبعا صاحبنا يتساءل: ما المضحك في كلامي؟ هل أنطق الكلام خطأ؟ هل لكنتي مضحكة إلى هذا الحد؟
رد الفعل هنا يكون سلبيا بالتأكيد.. عادة نحاول تهيئته لهذا الموقف.. فإذا تجاوزنا مسألة الضحك، وجدنا أغلب الناس يصرون على التحدث معه بالإنجليزية، حتى لو كانت إنجليزية "مكسرة".. لماذا؟!
هذا أمر مدهش بالنسبة لهم بالمناسبة.. هواة السفر منهم يقولون أن كل البلاد التي يزورونها يصر أهلها عادة على التحدث بلغتهم، حتى لو كانوا يجيدون لغته.. المبدأ دائما: أنت هنا، فلتتحدث لغتي.
المطب التالي أن الناس قد يفهمون كلامه إذا كان بفصحى جيدة، لكنهم غير قادرين على التحدث بها. إن المصريين يفهمون الفصحى، حتى غير المتعلمين منهم.. يفهمون نشرة الأخبار، والأفلام والمسلسلات التاريخية وقناة الجزيرة، وحتى الأطفال يفهمون أفلام الكارتون الفصحى، لكنهم لم يتعلموا التحدث بها، وهذه ثغرة أخرى في التعليم المصري في تعليم اللغات عموما، وليس اللغة العربية فحسب..
أنت درست اللغة الإنجليزية من المرحلة الإعدادية (لو كنت عجوزا مثلي) أو من الصف الرابع الابتدائي (لو كنت في سن أولادي)، أو من بداية المرحلة الابتدائية (لو كنت في سن أحفادي)، وتستمر في دراستها حتى نهاية المرحلة الثانوية، ولا يمكنك حتى التواصل بشكل جيد مع متحدث بالإنجليزية.. لا يمكنك مشاهدة فيلم أو سماع أغنية وفهمها.. يمكنك فحسب أن تقرأ وتكتب بالإنجليزية إذا كنت متفوقا بشكل كاف. بالنسبة للغة العربية فأنت تدرسها دراسة دقيقة شاملة، نحو وصرف وأدب وبلاغة.. ثم ماذا؟
لا تستطيع إجراء مكالمة تليفونية بلغة عربية جيدة.. لا تستطيع حتى التواصل بها. (في التدوينة القادمة - صوتية - سنرى أن... سنرى!).
ذات مرة ذكرت أمام طالبة أنني درست الفرنسية سنتين في المرحلة الثانوية.. وجدتها "طرطشت" الكثير من الفرنسية، بينما العبد لله يرعى في البرسيم طبعا!
سنتان في دراسة أية لغة كافية جدا لتصل إلى المستوى المتوسط أو المتقدم فيها (قراءة وكتابة واستماعا وتحدثا).
هذا فشل ذريع!
هذا نظام فشل في تعليمك أية لغة، وقصر تعاملك معها على الورقة والقلم..
الاستثناءات في ذلك هي اجتهادات فردية أو منح ربانية. لا أحد تعلم اللغة العربية في المدارس المصرية إلا من وجد أسرة اهتمت بتعليمه اللغة العربية لأسباب دينية غالبا، وهناك من وجد أستاذا أو قريبا له حببه في اللغة العربية وأكمل هو.. إلخ..
ولا أحد تقريبا تعلم لغة أجنبية في المدارس المصرية، إلا إذا كان اجتهادا شخصيا، لا يُحسب على النظام التعليمي، والتعليم المصري بريء منه!
أنا لا أبالغ للأسف. اللغة تتعلمها لتتواصل بها مع أهلها.. فهمل يمكنك التواصل بالفرنسية (أو الألمانية أو الإيطالية) التي تعلمتها لمدة عامين؟ هل يمكنك التواصل بالإنجليزية التي درستها ستة أعوام؟
لا.. أنت تتخرج وتبدأ في البحث عن "كورسات" لتتعلم اللغة.. وماذا كنت تفعل في المدرسة إذن؟!
أرجوك - إذا وصلت إلى هذه المرحلة - ألا تنسى "كورسات" اللغة العربية أيضا.

2010-05-25

هل اللغة العربية هي لغتك الأم حقا؟ هل تجيد اللغة العربية أصلا؟!

قد تبدو لك الإجابة البديهية: نعم.. طبعا!
لكنني أدعوك للتمهل قليلا قبل أن تجيب. قل لي أولا: ماذا كتبت في سيرتك الذاتية في خانة اللغات؟
الإنجليزية غالبا. وماذا عن درجة الإجادة؟
متوسط، أم جيد، أم جيد جدا؟
على أي أساس حددت هذا المستوى؟
حسنا.. استخدم طريقتك نفسها، وحدد درجة إجادتك للغة العربية الفصحى..
ماذا ستكتب في سيرتك الذاتية في خانة درجة الإجادة بالنسبة للغة العربية؟
إذا كان قياسك موضوعيا، فربما تكون الإجابة صادمة للأسف.
ودعني أوضح لك..
هناك تقسيمات لمستويات الدراسة في أية لغة في العالم يتفق عليها علماء اللغات، وقد تختلف عند الدراسة من مكان لآخر، لكن التقسيم الأكثر شيوعا يقسمها إلى عشرة مستويات أساسية: مبتدئ (منخفض، متوسط، مرتفع)، متوسط (منخفض، متوسط، مرتفع)، متقدم (منخفض، متوسط، مرتفع)، ثم المستوى العاشر وهو متحدث اللغة الأصيل
native، الذي يتحدث لغته الأم.. هناك تصنيفات تضع مستويات أخرى قبل هذا المستوى الأخير، لأن هناك فرق كبير دائما بين الدارس الأجنبي ومن يتحدث لغته الأم، ومن الصعب دائما إزالة هذا الفرق تماما..
تحديد المستوى اللغوي لأي دارس للغة أجنبية يتم عن طريق اختبارات تحديد المستوى اللغوي، أو اختبارات الكفاءة اللغوية، ومنها اختبار الإنجليزية الشهير (تويفل). أغلب اللغات لديها اختبار قياسي موحد مثل التويفل، لكن اللغة العربية لم يكن لديها اختبار كهذا حتى وقت قريب.
التجربة الوحيدة في هذا الصدد - على قدر علمي - هو اختبار الكفاءة اللغوية للغة العربية ALPT، وهو اختبار صممته الأكاديمية العربية - التي أعمل بها - وهو آخذ في الانتشار، وتعمل به الكثير من مؤسسات تعليم اللغة العربية للأجانب في أوروبا وأمريكا، لكنه ليس مجانيا.. لحسن الحظ!
المهم أن كل اختبارات الكفاءة اللغوية من هذا النوع تقوم بتقييم المهارات الأربعة الأساسية للغة (القراءة، الكتابة، الاستماع، التحدث)، وعلى أساس هذا التقييم يتحدد مستواك في اللغة.
والآن.. هل حددت مستواك في اللغة العربية؟
حسنا.. مما أراه حولي، فإن أغلب خريجي الجامعات المصرية حاليا (ومنهم الكثيرين من خريجي أقسام اللغة العربية للأسف) يمكن تحديد مستواهم كما يأتي:
- القراءة: جيد (متقدم منخفض حتى متقدم مرتفع). وهذا لأن القراءة تُقاس بالقدرة على فهم النصوص المكتوبة بهذه اللغة، واستخلاص المعلومات والأفكار العامة منها. لو كنا سنقيس بالقراءة الجهرية، فالتقييم سيختلف كثيرا بالتأكيد!
- الكتابة: متوسط (متوسط منخفض حتى متوسط مرتفع). ابتداء من المستوى المتوسط المنخفض، يُقيم الطالب على الأخطاء الإملائية والهجائية واللغوية، وإذا بلغت أخطاؤه نسبة معينة، فإنه يحاسب على ذلك بالخصم من درجاته، ولا يمر من هذا المستوى حتى يتحسن أداؤه بدرجة مقبولة.
طبعا أنتم تعرفون جيدا مستوى الكتابة لدى الشريحة التي أتحدث عنها.. وإذا لك تكونوا منهم فلابد أنكم تعانون - مثلي - من ارتفاع ضغط الدم المزمن بسبب ذلك.- الاستماع: ممتاز، أو متقدم مرتفع. فحتى غير المتعلمين يمكنهم فهم الفصحى جيدا.
- التحدث: ضعيف (مبتدئ منخفض حتى مبتدئ مرتفع). لا أحد تقريبا يجيد التحدث باللغة العربية. قلة قليلة يمكنها ذلك مع الكثير من الأخطاء واللجلجة، إلا من رحم ربي.
(المزيد من الثرثرة حول هذه النقطة في التدوينتين القادمتين - إن شاء الله - فابقوا معنا)!
جيد، متوسط، ممتاز، ضعيف.. المحصلة؟
متوسط إلى جيد!
هل من الموضوعية إذن أن يكتب في سيرته الذاتية:
Arabic: native ?
كيف درس كل هؤلاء اللغة العربية في المدارس من المرحلة الابتدائية حتى التخرج؟ بأية معجزة حصل بعضهم على درجات مرتفعة في امتحانات اللغة العربية؟
بالمعجزة نفسها التي جعلت مصححي الامتحانات أنفسهم مدرسي لغة عربية!

نشاط 1:
- احصل على عينات عشوائية من مذكرات "ملازم" اللغة العربية لبعض حيتان الدروس الخصوصية المشاهير في اللغة العربية، وأرشح لك متخصصي الثانوية العامة.
- اعرض هذه العينات على أحد المتخصصين في التصحيح اللغوي الثقات، واطلب منه إلقاء نظرة سريعة للتأكد من وجود أخطاء لغوية أو إملائية من عدمه.
- ماذا تلاحظ، وماذا تستنتج؟

ملاحظة: أنا أتحدث هنا عن الأغلبية العظمى، والاستثناءات كثيرة بالتأكيد، من خريجي أقسام اللغة العربية وغيرهم، لكنهم قلة للأسف.. وربما ينقرضون قريبا!

أنتظر إجابة السؤال في التعليقات - بعد قراءة التدوينة طبعا - وأرجو أن تشاركوا في التصويت الذي في القائمة الجانبية كذلك.


2010-05-24

Yat-Kha الغناء بالحنجرة!

في البداية بدا لي غناؤهم مضحكا، بل وبشعا.. لكنني - بعدما تجاوزت دهشتي - وجدت فيه جمالا فريدا لم نعتده.. يسمونه غناء الحنجرة!
لا تقل لي أن كل الغناء بالحنجرة، فهذا الغناء بالحنجرة فحسب!
الغناء بالحنجرة، أو الغناء الحلقي هو غناء فولكلوري مرتبط بالموسيقى التوفية (نسبة إلى جمهورية توفا Tuva وهي إحدى الكيانات الفيدرالية التابعة لروسيا حاليا)، وهي موسيقى لها خصوصيتها وآلاتها الموسيقية المميزة.
"تخيل إنسانا مزماريا، يغني بصوت غير ملحوظ، ثم يتصاعد منه طنين غريب، كهمهمة الجماهير في مباراة" (وصف من مجلة نيوزويك).
من الويكي:
"إن الغناء الحلقي المنتشر لدى التوفيين هو ظاهرة فريدة من نوعها وصفوها لأول مرة في القرن التاسع عشر. ومما يميزه أن المغني يطلق ليس صوتا واحدا بل صوتين وحتى ثلاثة أصوات في آن واحد".
هذا مثال من غناء الحنجرة التوفي:





ومثال آخر:





وهذاموقع الأوركسترا الوطني التوفي ، وفيه الكثير من المقاطع الصوتية والفيديو لهم .

يات-خا هو فريق غنائي روسي، يقوده عازف الجيتار ألبرت كوزيفين Albert Kuvezin ، وهو فريق يمزج بين الغناء التوفي الفولكلوري (نسبة إلى جمهورية توفا، إحدى الكيانات الفيدرالية في روسيا) وبين موسيقى الروك.. يبدو أنهم يقومون بدور شبيه بما يقوم به محمد منير من إحياء للفولكلور النوبي عندنا.

والآن أترككم مع أغنية من أغنيات يات-خا.. وأنتظر رأيكم :D



2010-05-22

لماذا جارفيلد؟ (1): لأنه. هاااااااااااوم!


مثلي تماما!





قمت بترجمتها وتحويل اتجاه الكاردات إلى الاتجاه العربي من اليمين لليسار.

هل رأيت (لوجو) محافظة حلوان في الحديقة يا أحمد؟


عندما صدر القرار المبارك من الرئيس مبارك بإنشاء محافظة حلوان منذ عامين، كنت في عملي في جاردن سيتي، ويومها حدث معي حرفيا ما تحدث عنه جمال إسماعيل في مسرحية سيدتي الجميلة، عندما وجد فؤاد المهندس مصرا على أن "الأرض كروية تلف حول نفسها"؛ فقد تركت بيتي صباحا في محافظة، وعدت مساء لأجده في محافظة أخرى!
لن أتحدث عن عشوائية القرار، أو عن نتائجه غير المحسوبة، وكيف صدر القرار بعد بداية السنة المالية، مما ترتب عليه أن محافظة حلوان ظلت بلا ميزانية حتى بداية السنة المالية الجديدة، فهذه أشياء كان يمكنني الحديث عنها وقتها، أما ما استفزني وقتها، وما زال يستفزني طوال الوقت هو شعار المحافظة الذي أصبحت أراه في كل مكان في حلوان.
الشعار قبيح، يفتقد إلى أي لمسة جمالية، مكون من جزءين:أوراق شجر، ونصف ترس، تعبيرا - فيما يبدو - عن الزراعة والصناعة.
الجزءان تم لصقهما متجاورين بشكل عشوائي فج دون أي محاذاة أو تنسيق، وكأن مصمم الشعار موظف علاقات عامة لا يعرف شيئا عن تصميم الجرافيك.. لعله صممه ببرنامج MS Paint (برنامج الرسام الذي يأتي مع الويندوز)!
بعد فترة اكتشفت أن الشعار ليس سيئا إلى هذا الحد، فالشعار يجب أن يكون معبرا عن المحافظة، ويبدو أن مصمم الشعار أراد أن يعبر عن العشوائية والقبح اللذين يراهما في كثير من مناطق حلوان.. رؤية ثاقبة حقا، لولا أن الزراعة لم يعد لها وجود في حلوان أصلا..
أعرف أنه ليس منطقيا أن أنتقد شيئا شكليا كهذا بينما البنية الأساسية ذاتها مهلهلة، لكنني أرى هذا الشعار نموذجا جيدا يمثل الطريقة الحكومية في التعامل مع كل شيء.. ليس مهما أن يكون الشعار جميلا أو معبرا أو متناسقا أو لائقا.. لا معايير فنية ولا ذوق ولا جودة ولا أي شيء.. المهم أن يكون هناك شعار والسلام..
المهم أن يكون هناك تعليم والسلام.. المهم أن يكون هناك مواصلات والسلام.. ولا يسألن أحد عن كيفيات أو جماليات، فلا مجال للرفاهية، لأننا لم ننته من مشكلة رغيف الخبز أصلا.


2010-05-21

سياسة وأيديولوجيا وإسلام وشيوعية وكتاب وتصميم وجبنة وزتون



كتاب صدر مؤخرا للدكتور سامح إسماعيل، الباحث والمحاضر بمؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة.
كتاب مهم ومثير للجدل، وإن اختلفت معه في الكثير من النقاط. شرفت بمراجعته لغويا، وتصميم غلاف له، لكنه صدر بغلاف آخر كعادة تصاميمي المحظوظة التي لا تنشر في النهاية إلا هنا وعلى حبل غسيل شرفة بيتنا.
هذان مقطع مهم من الكتاب، لو كان لي أن أختار منه ما يوضع على الغلاف الخلفي لاخترته:

"كان مبدأ التفويض الإلهي محاولة من السلطة للتوفيق بين حاكمية الله وسلطة الإنسان -الحاكم- الذي ينوب هنا عن الذات العليا ويحكم بالوكالة عنها، ولم تكن الأمة هي مصدر تلك الوكالة ولم تفوض أحدًا بها، وإنما كان السيف وحده هو مصدر هذا التفويض وتلك الوكالة المغتصبة، وهو الأمر الذي لا يجد معاوية غضاضة في الاعتراف به، حيث يقول: "أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة". واتساقا مع ذلك نجد عبد الملك بن مروان يوصي ابنه الوليد وهو على فراش الموت: "إذا مت فشمر واتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه". إنها لغة القوة وسطوة السيف التي لا يعرف الحكام الآلهة وأنصاف الآلهة غيرها لضمان السيطرة والبقاء فوق عروش رفعت على الدماء.
  كان مبدأ التفويض الإلهي يضمن بقاء هذه السلطة، ويعزز قدرتها على الحفاظ على وجودها في مختلف الظروف التاريخية، وقد كانت هذه الفكرة تفرض نفسها بشكل كبير على المجتمع الإسلامي، وربما كان العقل الجمعي يرى فيها ملجأً يوفر له نوعًا من الحماية الداخلية والأمن المعنوي تجاه القهر والإجراءات التعسفية للسلطة القائمة كنوع من الحيل الدفاعية تحقيقًا للتوازن السيكولوجي والاستقرار الاجتماعي، وتبريرا للضعف والخضوع، وهو أمر مازال العقل الجمعي العربي يحتفظ به إلى يومنا هذا تجاه حكامه الذين أصبحوا هم الآخرين أنصاف آلهة".

وهذا أحد هوامش الكتاب (ورد في سياق الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، وفي المجتمعات الأوروبية):

"(*) أقر مجمع ماكون اللاهوتي أن المرأة تخلو من الروح الناجية باستثناء مريم العذراء، وفي هذا السياق عقد الفرنسيون مؤتمرا سنة 586م للبحث في شأن المرأة: هل لها روح أم لا؟ وإذا كانت لها روح هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وفي النهاية، وبعد جدل طويل قرروا أنها كائن خُلق لخدمة الرجل فحسب، وكان البرلمان البريطاني قد أصدر قرارا في عهد هنري الثامن يحظر على المرأة أن تقرأ "العهد الجديد" باعتبارها كائنًا نجسًا، وكان القانون الإنجليزي حتى عام 1805م يمنح الرجل حق بيع زوجته مقابل ستة بنسات".

جروب الكتاب على الفيس بوك  

2010-05-19

البالون الذي طار (تصميم لوجو)..!

راسلني شخص ما منذ عدة أعوام، بالبريد الإلكتروني، قال أنه سعودي، وأنه يستعد لافتتاح مطعم وجبات سريعة كبير، ويريد تصميما لشعار المطعم.. اسم المطعم "البالون".
عرفت منه أنه عرفني عن طريق موضوع لي كنت قد نشرته قديما في منتديات دار ليلى.
سألته عن بعض التقاصيل اللازمة، لأقهم حجم المطعم ومستواه.. فمطعم صغير عادي ليس كسلسلة مطاعم مثلا.. فهمت منه أنه سيكون مطعما كبيرا، ثم سلسلة مطاعم، ولهذا يريد الشعار بالعربية والإنجليزية.
لا أذكر هل تكلمنا في الماديات أم لا.. هل حدد سعرا سيدفعه مقابل التصميم أم ترك الأمر لتقديري، أم لم نتحدث أصلا.. لم أسأل عن وسيلة الدفع ولا ماذا سيضمن لي أنه سيدفع بعد انتهاء التصميم أصلا.. كنت أريد أن أصمم شيئا وكفى، خاصة أنني كنت بعيدا لفترة ما عن رفيقي العزيز "الفوتوشوب"، وكنت أفتقده كالعادة..
استمرت المراسلات بيننا، حول الألوان و"المود" ومواعيد التسليم.. إلخ.. ولك أتحدث عن ضمانات، وإن كان في حسباني احتمال أن هذا عمل مجاني.. وقبلت هذا!
المهم.. انتهيت من التصميم.
وضعت به علامة مائية بلهاء (قال يعني حماية!)، وأرسلته له هكذا:

ماذا تتوقع؟
نعم.. لم يرد مرة أخرى!
ماذا حدث؟
هل سرق التصميم واستخدمه؟ هل توقف المشروع؟ هل كان هناك مشروع أصلا؟
لا أعرف، ولا يهمني..
كنت أحتاج لعمل تصميم جيد، وقد نفذته وكنت راض عنه..
الفلوس ليست مهمة بعد ذلك.. أنا فقري أصلا!



2010-05-18

بعد إذنك..!

هل يفهم أحد في هذا البلد حقا معنى كلمة "بعد إذنك" التي يرددونها طوال اليوم؟
أشك!
كنت المقهى مع صديقي "رأفت"، ومعه كتاب ما تركه على الطاولة أمامنا، عندما تقدم أحدهم وقد لمح الكتاب، فمد يده وتناول الكتاب، ثم قال لرأفت ويده ما زالت ممدودة - قال يعني لم يأخذ الكتاب بعد!
- : "بعد إذنك.. ممكن أشوفه؟"!
لم يرد عليه رأفت مباشرة، وظل يحدق فيه وهو هذا الوضع "المؤقت" يمسك بالكتاب بيد ممدودة، وينتظر الإذن كزيادة تأكيد فيما يبدو.. بعد فترة قال رأفت ببساطة: لأ..!
- نعم؟!
- باقول لحضرتك لأ!
- ده أنا باقولك بعد إذنك!
- ما أنا عارف!.. وأنا باقولك لأ.. ما أذنتش يعني!
كان الأخ من الجرأة - لعلها بجاحة - بحيث يستمر في الجدال والتعبير عن دهشته واستنكاره للرفض، الأمر الذي اضطره للعودة بيده مرة أخرى، وإعادة الكتاب إلى موضعه..
البعيد لا يفهم معنى كلمة "بعد إذنك"، ولا يدرك معنى أن تطلب شيئا قد يُقبل أو يرفض..
لماذا؟
هل لأنه من المعتاد أن يقبل الناس مثل هذه الطلبات؟
لماذا؟
كرم؟ شهامة؟
وهل كون الإنسان كريما يسلبه حقه في الاختيار ما بين القبول أو الرفض؟
هل أصبحت مجبرا أن ألبي أي طلب من أي شخص لمجرد أنه سبقه بكلمة "بعد إذنك"؟
يا أخي إن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام.. وكلمة "بعد إذنك" لم تسلبني حقي في القبول أو الرفض..
ألا نفهم معنى "حق"؟
معنى أن يتمسك شخص بحقه لا لأنه يحتاجه أو لأنه بخيل، وإنما لأنه يأبى التنازل عن حقه..
في الميكروباص أحب أن أجلس على الأريكة الخلفية، إلى اليمين بجوار النافذة، فتأتي تلك الفتاة لتقول بصيغة تنبيه - وليس بصيعة طلب - وها نافدة الصبر بأن أترك مكاني لها، وأجلس في الوسط.. فال يعني حتى لا تجلس بين رجلين.. طيب.. ما مشكلتي أنا؟
ما زال بإمكانها أن تجلس على أحد المقاعد الأمامية، أو تنتظر الميكروباص التالي، أو حتى تشرب سبرايت.. ما شأني أنا؟ هل أنا مضطر لتلبية أمر الأخت؟
من "حقي" أم أقبل وأترك بها مكاني مشكورا، ومن حقي أيضا أن أرفض دون أن أضطر للتبرير.. وهذا ما أفعله عندما أجدها "تنبهني" وكأنني أحتل مقعدها الذي أخذته قانون جديد، وتهم بالجلوس.. فأقول أنا بالبرود المناسب: لا!
طبعا تعرفون ما سيحدث:
- يا أخي دي بتقولك بعد إذنك!
يا دي المصيبة!
- شباب اليومين دول...!
- لو أختك.. ترضى...إلخ..
ألم يعد هناك اعتراف أصلا بفكرة الحقوق؟
شيء مستفز!
ليس حق أحد أن يلومني أصلا، كما أنه ليس من حق أحد أن يسألني لماذا لم أتبرع بالدم مثلا، أو لماذا لم أصلّ سنّة المغرب.. يا أخي هذا تطوع.. الله لن يحاسبني عليها، أفتحاسبني أنت؟!
أنا لا أرفض مساعدة الآخرين بالطبع، لكننا لم نعد نفهم لماذا نفعل هذا؟
أو تظن أن الله سيثيبك إذا كنت تفعل الخير لأنك مجبر على فعله؟
هل أصبح العقل "زينة" فعلا؟
منظر يعني، بلا استخدام حقيقي..؟

م

2010-05-17

أسئلة ليس لها إجابات (5): النيل



  
كام اشتغلت يا نيل في نحت الصخور؟
مليون بئونة، وألف مليون هاتور
يا نيل أنا ابن حلال ومن خلفتك..
وليه صعيبة عليا بس الأمور؟


سهران يوشوش ناي
والحلم رايح جاي
قباله ع الشطين
بيحب صوت الناس
وغُنا البنات بالليل
وبيكره الحراس
لما تدوس بالخيل
ولا بيوصل...







كان ماشي على شط النيل
كان ماشي يغنّي المواويل
من قلبه بيقول الآه
وكلامه نوّر قناديل




مسافر زاده الخيالُ
والسحر والعطر والظلالُ
ظمآن والكأس في يديه،
والحب والفن والجمالُ
شابت على أرضه الليالي،
وضيعت عمرها الجبالُ...


تفوت أيام
تموت أحلام
تعدي شهور
تدور الأرض والدنيا، وهو يدور
ولسه بيجري ويعافر
ولسه عيونه بتسافر
ولسه قلبه لم يتعب من المشاوير...



النيل سؤال وما زال ما جاش عليه الرد..


انظروا إليه جيدا. اخرجوا إلى الكورنيش واستمتعوا بصحبته.. تذكروه جيدا. تذكروا ملامحه حتى تحدثوا أولادكم عنه..
فربما لا يرونه...

2010-05-16

أسئلة ليس لها إجابات (4): حسبي الله ونعم الوكيل!

لماذا يتعامل الناس مع الحسبنة (قولة "حسبي الله وتعم الوكيل") على أنها سبة؟

الجملة تعني – من الناحية اللغوية – أنني لن أتخذ أية ردود أفعال أخرى حيال هذا الأمر، وأنني أفوض الأمر لله، وسأرضى بحكم الله ومشيئته، وهو (سبحانه) خير وكيل لأي مخلوق. الأمر إذن لا يعدو كونه إعلان للتوقف عن النزاع، وترك الحكم لله. هذه ليست بإهانة ولا سبة لأحد، فإذا كنت تتنازع معي على شيء ما، وأنت تصر على التمسك به وتعتقد أنك على حق، وتركته أنا لك تماما، وإن كنت أعتقد أنني على حق. فماذا يضيرك في هذا إن كنت على حق؟ إن كنت ترى أنك لست بجائر وأنك على حق، فما هي مشكلتك!

إن الناس يتعاملون مع هذه الكلمة على أنها سبة كبرى، وإهانة ما بعدها إهانة، حتى أن بعضهم أخبرني أنه في المجالس العرفية (قعدة العرب في أقوال أخرى) يعاقبون من تحسبن على غريمه إن لم يستطع إثبات حقه!

لماذا؟!

هذا واحد عجز عن إثبات حقه أصلا، وترك الأمر لله، وتوقف عن النزاع.. ما الخطأ هنا!

لقد تجادلت كثيرا في هذا الأمر مع بغض "الكبار" المقتنعين بذلك، وفشلت تماما في فهم منطقهم.. هل تفهم أنت؟!

2010-05-15

صور من معرض الكاريكاتير بمكتبة عرابي













كان يوما جميلا. شرفنا بالحضور أستاذنا الفنان عمرو سليم، وكتيبة رسامي الكاريكاتير بالمصري اليوم: عبد الله أحمد، مخلوف، دعاء العدل، أنور.. كنت سعيدا :)














Posted by Picasa


أسئلة بلا إجابات (3): ما جدوى كليات التربية؟

في كلية التربية كنا ندرس نوعان من المواد: المواد الأكاديمية (في حالتي كانت اللغة العربية)، والمواد التربوية: علوم النفس، وطرق التدريس والمناهج وأصول التربية وتكنولوجيا التعليم.. وهذه المواد هي الفرق بين كليات الآداب والتربية.منذ العام الأول في كلية التربية أصابنا انبهار طفولي بكل ما ندرسه من طرق تدريس يفترض أننا نتعلمها لنعمل بها بعد التخرج.. السبب أننا لم نتعلم هكذا. نحن تعلمنا بالطرق التقليدية: مدرس يشرح، وسبورة وطباشير وواجب وحفظ وتسميع ثم امتحانات. هذه هي فكرتنا المسبقة عن التدريس.. فإذا بنا نتعلم أن المدرس في الفصل لا يجب أن يشرح الدرس أصلا!
نعم.. المدرس لا يجب أن يتكلم أكثر من 10 دقائق من إجمالي وقت الحصة، لأن دوره الحقيقي كالمخرج السينمائي، يدير ويوجه الطلاب في الفصل، طبقا ليسناريو معد مسبقا، هو "خطة الدرس"، أو ما يسمونه في مدارس الوزارة "التحضير". السيناريو، أو خطة الدرس يحدد كيف سيسير الدرس بالضبط، ويوزع الأدوار على الطلاب، بحيث يكونون في عمل طول الوقت، وليسوا مجرد مستمعين للمدرس: يقرأون الدرس، يتناقشون فيه، يحللون عناصره، ويستخرجون النقاط المهمة، يحددون الصعوبات ويفكرون فيها سويا، ينتقدون ويتبادلون الآراء، يتفقون ويختلفون مع ما يدرسون، يضعون أفكارا أخرى وحلولا بديلة، يحددون المشكلات ويفكرون في حلول لها... كل هذا وفقا للخطة التي يضعها المدرس، وباستخدام الوسائل التعليمية المتاحة.
طبعا كنا نتساءل: ما هذا الخيال العلمي! ما جدوى كل هذا؟ أين سنطبق كل هذا؟ في مدارس الوزارة؟!
بعضنا كان "بايع القضية" و"مكبر دماغه" من البداية، لكن فئة منا من أمثالنا من البشر الفقري سألوا الأساتذة عن جدوى كل هذا، فقالوا لنا إننا يجب أن نتعلم بطريقة صحيحة، وبعد ذلك العمل شيء آخر.. لربما تغير الحال عما قريب.. لربما أسند إلينا مهمة التطوير الذي نتمناه، وعندها يجب أن نعرف ماذا نفعل، وإلا فإننا سنستمر في إفساد ما أفسده السابقون أصلا..
بعد التخرج رأيت الأمر بوضوح أكثر. مدراس الوزارة تسير بالطريقة القديمة برغم كل ادعاءات التطوير، ولن يتغير هذا في ظل النظام الحالي.. المدارس الخاصة أغلبها لا تختلف كثيرا، لكن بعضها يسعى للتطوير حقا، وبعضها نجح في تطوير أساليب التعليم بشكل جيد جدا..
بالنسبة لي عثرت بعد فترة على حلمي الخاص بالعمل في مكان يسعى لاستخدام أفضل وأحدث طرق التدريس، بل ويحترم رأيي فيما أدرس، ويسمح لي بتطويره وتعديله فورا طالما كان ذلك على أسس علمية سليمة.. صحيح أن هذا المكان يدرس العربية للأجانب، لكنه هنا في قلب القاهرة.
لكن ماذا عن هذه النسبة الكبرى من المدرسين الذين سيعملون في مدارس الوزارة؟ هل هناك من جدوى من كل ما يتعلمونه في كليات التربية؟
في الوقت الحالي لا للأسف.. التغيير مرفوض أصلا. عندما كنا في التربية العملية في مدرسة إعدادية بمصر القديمة كان المدرسون يتعجبون من طريقتنا في كتابة تحضير الدروس، وبعد فترة بدأ كثير منا يقلد طريقتهم التي هي مجرد قالب ثابت تملأ أنت بياناته.
متى سيتغير هذا؟ هل سيتغير حقا؟
لا أعرف بالضبط، لكنه لن يتغير في ظل النظام الحالي. من متابعتي لمحاولات التطوير في الوزارة وجدتها تتحول كلها أولا بأول إلى "تظاهر بالتطوير".  كل شيء يفرغ من محتواه وهدفه ويتحول إلى استمارات إضافية وأعباء إدارية تضاف للمدرسين.. لكن لا تطوير حقيقي سيحدث، ما لم يتغير الإطار المنظم نفسه.. التعليم جزء أساسي من النظام العام، وككل شيء آخر هنا يحقق الأهداف المطلوبة منه، وهي أن يستمر كما هو محافظا على مصالح كل أصحاب المصالح. وليس من ضمن هذه الأهداف الارتقاء بالتعليم ذاته للأسف.
متى سينتهي كل هذا؟
لا أعرف.
هل تعرف أنت؟

* تدوينة مهداة إلى إسماعيل محمد

2010-05-14

أسئلة بلا إجابات (2): كرم إجباري في الميكروباص!

لماذا يجب عليك إذا ركبت ميكروباص ووجدت شخصا تعرفه، لماذا يجب أن يدفع أحدكما للآخر؟ لمادا لا يدفع كل واحد أجرته لنفسه وخلاص؟
هل يفترض كل منكما أن الآخر مفلس مثلا؟
وطبعا لو كان الشخص الذي قابلته هذا – بالمصادفة – بنتا فالأمر محسوم: أنت الذي ستدفع!
لماذا؟؟
المشكلة أنك إذا لم تدفع، فإن وقعتك سوداء حالكة أكرمك الله، وفضيحتك ستصير بجلاجل وشخاليل.
سيقول قائل: "وماله - يا أخي - لما تدفع له أو تدفع لها؟ ما هذا البخل؟"!
سأقول له ليس ببخل والله يا أخي.. ربما لا تريد أن تدفع لأنك لا تفهم لماذا تدفع! وأنت مهما كنت كريما، لن تكرم أحدا بلا منطق واضح. العرب كانوا يكرمون الضيف، وعابر السبيل، والمحتاج.. لكن في الميكروباص: من منكما ضيف الآخر؟
لا أحد طبعا!
وكلاكما قد يعد عابر سبيل، هذا لو كان ركوب الميكروباص يجعل منك عابر سبيل!
لم يبق إلا أن كلاكما يفترض أن الآخر محتاج، وهذا احتمال مستبعد كذلك، لأنك من البداية لا يمكنك أن تتأكد من سيربح السباق ويدفع في النهاية، إلا لو كان أحدهما فتاة طبعا.
إذن هذا سلوك متوارث بلا منطق، يفعله الناس من باب "هذا ما ألفينا عليه آباءنا"، وهو المبدأ ذاته الذي التزم به كفار قريش كما تعلمون.
طيب.. سنفترض أنك غير مقتنع بالمبدإ، لكنك تفعله اتقاء للقيل والقال، ولتتجنب ما قد توصف به في غيابك من قبيل أنك "حتى ما فكرتش تدفع له في الميكروباص".. لكن في وقت ما ستكون في ضائقة مالية، إلى حد خفض نفقاتك للحد الأدنى أو ما هو أدنى من الأدنى، وإلى حد حساب نفقات مواصلاتك بالقرش، ثم ركوب مواصلات أصعب لمجرد توفير بعض القروش.. وبينما أنت في هذا القحط العظيم، تجد هذه المفاجأة السارة: جارك أو قريبك، أو جارتك، ويا سلام لو كنت جالسا في مقعد أمامي قريب للسائق، ويا سلام يا سلام وبادرك هو بالسلام قبل أن تدفع.. ها.. ماذا ستفعل حينها يا فالح؟!
نعم أنا لا أفهم سر هذا الكرم الميكروباصي "الحتمي"، الذي يترتب على تجاهله فضيحة، وأراه غير منطقي بالمرة..
أنا مش فاهم!
أنتو فاهمبن؟

2010-05-12

أسئلة بلا إجابات: (1) طابور السيدات


هل انتبه أحد يوما ما إلى نظام شباك تذاكر المترو؟
الشباك الواحد أمامه ظريقان متوازيان مفتوحان أمام الشباك نفسه، بحيث تدخل سيادتك من الطريق الأيمن وتأخذ تذكرتك، ثم تخرج من الآخر..
لسبب ما تصر بنات كثيرات – عن جهل أو تجاهل - على أن هذا الطريق الأيسر هو للنساء (هذا الطريق فارغ دائما)، ولسبب ما لا يعترض أحد، أو حتى يبدي اندهاشا..
طيب الخواجات الذين صمموا مترو القاهرة لم يفهموا أن الطوابير لدينا كالحمامات، يجب فصلها إلى: رجال – نساء.. وماذا عنا نحن؟ لماذا لم نخصص بعض الشبابييك للرجال وأخرى للنساء؟
أقول لك لماذا؟
لأنها ليست مشكلة أصلا.. لا أحد يرى مشكلة في كسر النظام، كما أنه لا أحد يرى ضرورة في الحفاظ عليه، لأن "هي يعني جت على دي؟"، "ما كل حاجة ماشية كده في البلد دي"..
أفضل ما في فيلم يوسف شاهين الأخير اسمه: "هي فوضى..؟"!

2010-05-11

احترس.. مصر ترجع إلى الخلف!

أحيانا أحاول تفسير ما وصل إليه الناس من انحدار أخلاقي في مصر.. هل المصريون هكذا بطبعهم؟ هل "الشعب المصري" كذا وكذا كما تسمع دائما في المترو والأتوبيس والميكروباص من نقاد ومفكري المصاطب؟
أم أنها قلة قليلة، و"لسة الدنيا بخير"؟
لا.. ليسوا بقلة..
في رأيي هذه نتيجة طبيعية لتراجعنا الحضاري. الإنسان تطور حضاريا، فبعد أن كان يعيش بمفرده في الكهوف والغابات، تطور حضاريا وأصبح يعيش مع أسرة، ثم مع جماعة، ثم مع في قرية، ثم في مدينة، ثم في دولة، ومع تطوره تعلم سلوكيات مرتبطة بهذا التطور، مثل النظافة والتعاون، الاحترام والخجل، التكيف مع النظام والقانون.. إلخ..
الآن نحن نتقهقر حضاريا باستمرار.. لا تتوقع من إنسان لا يرى قانونا ولا نظاما يحفظ له حقه أن يحترم النظام، كما لا تتوقع من إنسان لا يجد قوت يومه أن يراعي قواعد اللياقة و"الإتيكيت" عندما يأكل.. إذا أكل!
نحن نرجع - حضاريا - إلى الخلف، بكل أسف.. وهذا الرجوع ليس له آخر.. فلا تحسبن أن هذا أسوأ ما يمكن أن نصل إليه.. في فيلم دكان شحاتة رأينا تصورا لما قد يسفر عنه هذا التطور بعد سنوات قليلة، إذا استمر هكذا..
ولماذا نتصور؟
التاريخ يقول أن المصريين فعلوها من قبل، وأكلوا الكلاب والقطط والحمير، ثم أكلوا لحوم البشر في أيام المجاعات..
هناك من يقاوم، وهناك من يصر على الحفاظ على "تحضره"، لكن ألا يتأثر؟ ألا يعاني؟ ألا يفكر في الهجرة أصلا، أو حتى الانتحار؟
عندما نتصور ما كان الناس عليه منذ سنوات قليلة، وما خلقته هذه السنوات العجاف من ثقافات البطالة والزحام وتفتيح الدماغ، ونرسم خطا مستقيما يمر بالنقطتين.. ماذا سنجد؟ ما النقطة التالية التي يمتد إليها الخط؟
د. أحمد خالد توفيق قال أنه هكذا كانت فكرة روايته "يوتوبيا"، وأنه لا يراها خيالية إلى هذا الحد.. إنما هو مد الخطوط، ليرى أي ستلتقي بعد ذلك...
إننا نرجع إلى الخلف بلا شك..

2010-05-10

كن حمارا تر الوجود جميلا...

كن حمارا.. تر الوجود جميلا..!
أن تكون مدرسا في هذا الزمن، فأنت مجبر على ذلك: أن تكون حمارا!
* * *

في كلية التربية كان هناك نوعان من الطلاب (مدرسي المستقبل): النوع الأول، وهو الذي اختار أن يكون حمارا من البداية.. شاب "مقضّيها" ولا مؤاخذة.. مكبّر.. عايش حياته.. يحضر محاضرات؟ أحيانا، ربما في أوقات فراغه.. المحاضرات في ذيل قائمة أولوياته؛ فهناك ما هو أهم – يا ريس – مثل الحريم (بنات الجامعة)، وما أدراك ما الحريم.. ليس بالضرورة أن يأخذ الأمر بنية سيئة كما تبادر إلى عقلك المريض؛ فالأمر عادةً لا يتعدى تكوين "شلة" تجيد الاستمتاع بوقتها.. ولا بأس من تجربة ارتباط فاشلة من البداية، مع الكثير من الدباديب والقلوب الحمراء والذي منه..
هناك أيضا قعدة المقهى، ورحلات القناطر وتمشية الكورنيش و.. و...
هذا النوع حمار حقيقي.. سله عن أي شيء في مجال دراسته أو خارجه، واستعد لنظرة البلاهة المطلقة في أبهى صورها.. سله عن الأغاني التي يسمعها سيحدثك عن العنب والحنطور، و "سيد يا سيد"، وربما بعضا من التامر حسني، وربما العمرو دياب لزوم الرقيّ.. سله عن الأفلام التي يشاهدها، واسترجع قائمة أفلام السبكي التي تقززت من مجرد مشاهدة إعلاناتها.. سله عن المؤلف أو المخرج الذي يفضله، واستمتع بارتباكه وهو يشرح لك كيف أن الممثل هو محور العمل الدرامي!
هل تريد متعة أكبر؟
ما رأيك بدعوته لزيارة معرض الكتاب معك؟
سيشتري بعض الكتب الدينية التي سمع اسمها مرة، وربما بعض كتب الأبراج أو الكتب الفكاهية، وربما شعر نزار قباني لو كانت صديقته تسمع كاظم الساهر!
النوع الثاني – بقى – هو باختصار: النقيض في كل هذا.
هذا النوع – يا عيني – يشقى، وتطلع عين الذين أنجبوه في كلام فارغ: محاضرات، ملخصات يصنعها بنفسه.. إلخ.. مع اهتمام غريب بطرق التدريس الخيالية التي ندرسها في الكلية.. أنا كنت من هذا النوع.. لم أكن حمارا للأسف، برغم أن الإغراء شديد..
في النهاية كما هو متوقع، كان طلاب النوع الثاني هم أوائل الكلية، وكنت أنا أحدهم.. هل نفعنا هذا بشيء؟ مطلقا!
لم يُعين أحد في الكلية.. حاولنا أن نحافظ على اختلافنا عن الحمير: التحق أكثرنا بالدراسات العليا، لكننا في النهاية عملنا في مدارس خاصة متواضعة، جنبا إلى جنب، حيث يبدأ فصل جديد مع نوع آخر من الحمير..
* * *

حاولت كثيرا ألا أصير حمارا في النهاية لكنني فشلت.. في كل تفاصيل عملي أنا مجبر على أن أكون حمارا..
تحضير الدرس - كما تعلمنا – هو أساس التدريس؛ تحدد أهدافك ووسائلك واستراتيجية التدريس التي ستستخدمها.. لكن المدير الحمار لا يريد سوى "خد كشكول من حد من المدرسين القدام وانقل منه التحضير"..!
الدروس الخصوصية – كما قرأنا – هي أكبر آفات التعليم المصري، لكنك ستقتنع بعد شهر واحد أنها النظام الأنجح لك وللطالب.. مائة وأربعون جنيها في الشهر ستقنعك!
اقتنعت؟
هل صرت حمارا هكذا؟
هيهات.. أنت فقط أخذت القرار، لكن هذا ليس سهلا.. الحمار كان يتدرب على أن يكون حمارا منذ سنواااات.. أنت ما زلت جحشا صغيرا. ولذلك: ستفشل طبعا!
لن تحصل على تلميذ واحد.. التلاميذ كلهم عند زملائك المدرسين من الحمير الحقيقيين..
تخيلت الموقف؟
الآن أنا أنتهي من المدرسة بعد الظهر، وأجلس على المقهى أتصفح الجريدة، وألعن هذا البلد الذي لا ينجح فيه إلا اللص أو الحمار..
نعم، أعرف ما ستقول: أسافر؟.. لن أرد عليك، سأترك هذا لأي زميل من الإسكندرية!
كل طرق السفر تتطلب الشيء نفسه: خبرة في التدريس لا تقل عن خمس سنوات..
طيب.. مستعد للعمل في أي شيء؟ لا فائدة.. كل الطرق للسفر مغلقة؛ هذا بلد يتمسك بأبنائه يا عزيزي.. هذا بلد "لا منه، ولا كفاية شره"..
أعود إلى نظرية الحمار مجبرا، وأحصل بمعجزة على تلميذين – من فصلي – يريدان درسا خصوصيا.. تلميذين من الطراز الذي نطلق عليه "بلاطة" طبعا، وإلا ما لجآ إلى مدرس كحيان مثلك..
اصبر!
غباء؟
اصبر!
ارتفاع في ضغط الدم؟
اصبر!
تذكر أن الصبر هو أهم صفة في الحمار.. لن تكون حمارا حقيقيا إلا بالصبر؛ فاصبر!
تشرح في الفصل قصيدة إيليا أبي ماضي الجميلة:
“أيهذا الشاكي وما بك داء كن جميلا ترَ الوجود جميلا"، وأنت تدرك أنهم لا يفهمون شيئا، باستثناء تلميذين أو ثلاثة، اختاروا ألا يكونوا حميرا، متأثرين بك للأسف..
هل تشعر بالذنب لأجلهم، أم لأجل الطلاب الحمير؟!
تتذكر تجربتك، والأيام الضائعة من عمرك قبل أن تقرر أن تصبح حمارا، ثم تدندن في نفسك ساخرا:
“كن حمارا، تر الوجود جميلا..!”
ثم تكرر الشرح نفسه كالببغاء في الدرس بعد الظهر.. لا يفهمان شيئا بطبيعة الحال.. من قال أن الحمير تفهم الشعر؟!

2010-05-08

دعوة: معرض ورشة الكاريكاتير


أدعوكم جميعا لتشريفنا بحضور معرض حصاد ورشة الكاريكاتير للفنان عمرو سليم، يوم الخميس القادم 13 مايو، 2010 من 05:00 مساءً - 10:00 مساءً، بمكتبة عرابي بالمهندسين. 
سيتم عرض أعمال المشاركين في الورشة، وذلك بحضور عدد من رسامي الكاريكاتير.
العنوان: برج عرابي، 23 أ ش أحمد عرابي - الدور الأول - بجوار برج نهضة مصر.
سيكون لي في المعرض عدد من الرسوم إن شاء الله.
المعرض لمدة يوم واحد. وهذا رابط المعرض على الفيس بوك.
الدعوة عامة. أنتظر حضوركم جميعا :)

2010-05-07

من ورشة الكاريكاتير

ورشة كاريكاتير حضرتها لمدة شهرين مع الفنان الجميل عمرو سليم في ساقية الصاوي.
الفيديو الآتي من الورشة، منشور على موقع المصري اليوم الجديد.. ستلاحظون في الفيديو في بعض اللقطات السبورة ممتلئة برسومات كثيرة لقطط مختلفة.. كان هذا تدريبا أراد الأستاذ عمرو منه أن يشعرنا بمعنى أن يكون لكل منا أسلوبه الخاص. في الرسم.. وعندما رسم كل منا قطة على السبورة كانت النتيجة أن كل القطط مختلفة.. كل منا رسم قطته الخاصة.
شاهدوا الفيديو وخمنوا.. أين قطتي؟! :D

2010-05-06

الغربال



يقولون أن "اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى".. لكني أرفض هذا المثل.. أنا لا أرى من الغربال، ليس لأنني أعمى، ولكن لأني أهتم برؤيية الغربال نفسه عادة!

2010-05-05

أخطر ثغرة في التعليم المصري



التعليم الحكومي في مصر يبدأ بثغرة في تعليم اللغة العربية، قد تبدو بسيطة، لكنها تنتج متعلما لا يجيد القراءة أصلا!
تعلم اللغة العربية يجب ان يبدأ بتعلم الحروف الهجائية (قراءة وكتابة وصوتا)، والأهم بعد بعد ذلك تعلم الحركات.
الحركات في اللغة العربية ليست هي الحركات البسيطة مثل اللاتينية.. هل تعرف أن الحركات في اللغة العربية ثلاث عشرة حركة؟!
أي أن الحرف الواحد يمكن أن ينطق بثلاث عشرة طريقة:
الفتحة، الكسرة، الضمة، السكون، الشدة، تنوين الفتح، تنوين الكسر، تنوين الضم، الفتحة مع الشدة، الكسرة مع الشدة، الضمة مع الشدة، تنوين الفتح مع الشدة، تنوين الكسر مع الشدة، تنوين الضم مع الشدة.
لسبب ما سقطت هذه النقطة من تعليم القراءة في المدارس المصرية، سهوا أو عمدا، ليبقى مكانها خاليا كفجوة مشوهة في أساس مبنى كبير، قد يسقط تماما بدون هذا الحجر الصغير..
ربما اعتمدوا على أن الطفل سيتعلم الحروف والحركات في مرحلة الروضة، وهو ما لا يحدث إلا في مدارس اللغات، وهي ليست بخيار وارد أصلا بالنسبة لأسرة مصرية عادية.
للأمانة أقول إن المناهج لا تخلو تماما من هذه الحركات، لكنها موزعة على دروس أولى وثانية، وربما ثالثة ابتدائي أيضا، وهذه استراتيجية جيدة، تهدف إلى تعليم الحركات من خلال الكلمات، وتقوم على نظرية من نظريات علم نفس التعلم، مفادها أن الإنسان يتعلم الجزء من خلال الكل بشكل أفضل.. جميل.. لكن المدرس - وكذلك أولياء الأمور - لا يدركون أن الهدف من هذه الدروس هو تعليم الحركات وليس مجرد تحفيظ كلمات. والنتيجة أنهم يعلمون الطفل ما يظنون أنه الهدف: حفظ كلمات جديدة وكتابتها..
 كريم كان تلميذا عندي، في الصف الثاني الإعدادي للمرة الثانية، لكن أباه يظنه في الصف الثالث، وأمه تخفي عنه ذلك بالاتفاق مع إدارة المدرسة، لأنه - أباه - "شديد" ولو عرف بهذه المصيبة لربما قتله!
بعد ملاحظتي لكريم، وجدت أنه أميّ تماما..
في الصف الثاني الإعدادي ولا يستطيع قراءة اسمه.. لكنه يحفظه فحسب!
أخبرت أمه أنه لن يستوعب شيئا من منهج ثانية إعدادي، ولا مفر من بداية تعليمه القراءة والكتابة..
كريم ليس حالة نادرة، بل هو نموذج شائع جدا.. كثير منهم يحصل على الشهادة الإعدادية وهو مازال أميا..
أين مدرسو اللغة العربية من هذا؟
مدرس الفصل لا يجد حيلة معه، بعضهم يحاول عمل مجموعات تقوية لمثل هؤلاء، لكن هذا لا يفلح غالبا، لأن الطفل يكون قد فقد الرغبة في التعلم منذ زمن، ويكون ماهرا في التملص من كل أنشطة التعلم..
المشكلة الأكبر ان المدرس نفسه قد يكون "فاقدا للشيء".. فكيف سيعطيه؟!
في كلية التربية - حيث درست - بقسم اللغة العربية، درسنا "علم العروض"، الذي يبحث في موسيقى الشعر.. علم العروض يعتمد بشكل أساسي على تحويل كل حروف اللغة إلى حركات وسكنات فحسب، اعتمادا على حركت النطق.. الموضوع يعتمد بشكل أساسي على الحركات.. هذا شيء بديهي!
اكتشفت أن أكثر من تسعين بالمائة من زملائي لا يجيدون التعامل مع الحركات.. عندما تسمع كلمة ما مثل: "تقدمٌ" من البديهي أن تدرك - بمجرد السمع - أن الدال تُنطق بشَدة وضمة.. هذه مهارة يتدرب عليها الطفل منذ حداثته.. حسنا.. لم أجد أحدهم يفهم شيئا من هذا!
كانت هذه المادة كارثة بالنسبة للجميع تقريبا، ماعدا العبد لله (تعلمت القراءة في الكتّاب)، وصديقي الفلسطيني سائد (دراسته كانت في فلسطين، وكان ماهرا حقا، وأربع أو خمس من زملائنا من محافظات أخرى، كلهم يحفظون القرآن الكريم، وزميلتنا المنتقبة "أم ياسر"..
لك أن تتخيل أنني كنت أعد جلسات لزملائي لأدربهم على الحركات ونطقها وتمييزها اعتمادا على منهج كتاب المطالعة الأولية القديم (الذي نعرفه في مصر باسم "كتاب وزن")!
كثير من مدرسي اللغة العربية من جيلي الذين عرفتهم في مدارس مختلفة كانوا يعانون من ضعف واضح في هذه النقطة.. لكن المدرس يمر بمراحل عميقة في دراسة علوم اللغة العربية، فيسد هذه الثغرة، لكن دون وعي منه، فيبقى جاهلا بأهميتها..
الحركات ليست مجرد درس سقط سهوا، وإنما هي حجر أساس مفقود، في بناء لن يكون بدونه إلا ضعيفا واهيا..
في تجربتي في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الأكاديمية العربية، نستخدم منهجا متدرجا لتعليم الحروف والحركات بالمبدإ نفسه الذي كان يُستخدم في "كتاب وزن"، بعد تطويره طبعا ليناسب الاستراتيجيات التعليمية الأحدث..
كنت أواجه صعوبات ومشكلات في تعليم الطلاب هذه المرحلة (مرحلة الحروف والحركات)، مثل صعوبة نطق بعض الأصوات العربية كالحاء والعين والضاد، وصعوبة التفرقة بين بعض الحروف التي تبدو في سمع الطالب الأجنبي متشابهة، مثل الحاء والهاء، والكاف والقاف، والسين والصاد.. إلخ.. كل هذه صعوبات متوقعة ولا نتوقع التغلب عليها بنسبة كافية في هذه المرحلة، ولا نتركها تبطئ من سرعة عملية التعليم.. لكن أية عقبات تواجهني في إدراك واستيعاب الحركات ونطقها والفروق بينها تعني أنني يجب أن أتوقف هنا.. هذه أشياء لا يمكن تجاوزها.. هي ليست مجرد معلومات يجب أن "يعرفها" الطالب.. هذه "مهارات" يجب أن يجيدها، حتى يمارسها بعد ذلك بالبديهة..
أشياء كهذه يفتقدها أغلب خريجي المدارس الحكومية الذين اعتمدوا تماما على تعليم المدرسة، ولم يجدوا من يسد الثغرة.. والنتيجة أن لدينا الآن أجيالا من المدرسين والمحامين والصحفيين والإعلاميين لا يجيدون القراءة باللغة العربية..
كان أستاذي العظيم "د. زكريا توفيق" يدرّس لنا علم الأدب الأندلسي في الجامعة، وكان يطلب من بعض الطلاب أن يقرأوا بعض المقاطع من الكتاب جهريا، فكان يقول لهم "انتو ما بتعرفوش تقروا"!.. وقضى الرجل الفصل الدراسي يعلمنا القراءة والأدب الأندلسي - على التوازي - لأن ضميره لم يسمح له بالتغاضي عن جيل سيخرج من تحت يده ليدرّس اللغة العربية للأطفال وهو لا يجيد القراءة!
لكن أغلب الزملاء لم يكن يهتم إلا بما سيأتي في الامتحان، فلم يستفيدوا منه شيئا.. دعك من الآلاف الذين يتخرجون من كليات التربية سنويا، دون أن يجدوا أستاذا مثل د. زكريا توفيق..
إنهم كثيرون حقا.. إنهم حولنا في كل مكان، يدرّسون اللغة العربية، ويوحون لك بأنهم جهابذة اللغة، وهم لا يفوقونك - أنت غير المتخصص - إلا بأنهم صاروا "يحفظون" قواعد النحو الأساسية التي يدرّسونها لطلابهم، بينما أنت لا تملك إلا أن تصدقهم ولا تملك أن توقن من شيء، لأن مصيبتك أكبر طبعا.. 
لو درست أنا اللغة اليابانية لشهر واحد، وأنت لا تفقه شيئا عنها، فمن السهل علي أن أوهمك أنني أجيد اليابانية كأنني ولدت في اليابان، وربما أقنعتك أيضا أنني أجيد الصينية والكورية كذلك، لأنك على الأرجح لن تفهم الفروق بينها! 
هذه الكارثة ليست في كليات التربية فحسب طبعا، فنظرية الأواني المستطرقة لا ترحم أحدا، والمجاري الطافحة - حفظكم الله - تتسرب إلى كل شيء، ولا تستثني شيئا، إلا من رحم ربي، ممن فاق ذكاؤهم أعمارهم، أو نشأوا في بيئة نجحت لسبب ما في سد الثغرة.. 
الحل الأسهل في رأيي - وأنا لا أمزح هنا - هو إعادة تدريس "كتاب وزن" في المرحلة الابتدائية، وتدريسه أيضا للفرقة الأولى من أقسام اللغة العربية في الجامعات على سبيل الاحتياط!

2010-05-04

وعايز تتعين؟

قال المعيد السابق لي: نافقه..!
كان يتحدث عن العميد الجديد لكلية التربية في جامعتي، وكان الأساتذة قد أقاموا له حفل تكريم - قال يعني! - حتى نعبر له عن ترحيبنا وسعادتنا بقدومه عميدا للكلية..
ولأنني كنت أول دفعتي، وبالتالي كنت مرشحا لتعييني معيدا في الكلية - وكان ذلك في الفصل الدراسي الثاني من العام الأخير - فقد كلفني الأساتذة بأن ألقي كلمة ترحيب بسيادته، وأنا أقدم له الهدية التي سنحضرها نحن طلاب قسم اللغة العربية.. طيب الهدية وعرفنا كيف سأقدمها.. لكن كلمة؟!
ماذا أقول بالضبط يعني؟
هكذا سألت المعيد - الذي يسبقني بدفعتين:
- ماذا أقول له بالضبط؟ لم أفهم ما المطلوب مني!
قال لي كلاما كثيرا لا أذكره، ولم أفهمه وقتها، ويبدو أنه كان يتوقع مني أن أقرأ ما بين السطور، أو أفهم تلميحاته، وهو ما أفشل فيه دوما، فقلت له بالتناحة المناسبة:
- مش فاهم!
قال لي:
- من الآخر.. نافقه..!
صُدمت.. ببساطة لأنني لم أتصور أن هذا الكلام يقال هكذا صراحة، كنت أظن أن من ينافق يسمي هذا ذوقا أو شياكة أو حتى مجاراة للواقع..
ماذا أفعل في موقف كهذا؟
لا لم أتخذ موقفا ثوريا، ولم تأخذني الجلالة وأقول لن أنافق.. إلخ..
فقط حاولت أن أقول كلمة مجاملة، لكنني فشلت.. لم أفهم أنهم لا يريدون مجاملة.. إنهم ينتظرون مني أن أكذب هكذا بكل بجاحة على رؤوس الأشهاد، وأعدد في مناقب الباشا كأنه شاهبندر التجار الجديد.. لم أفهم هذا وقتها والحمد لله، والله أعلم ماذا كنت سأفعل لو كنت فهمت.. أنا لا أريد أن أعرف!
المهم أن الرجل كان جديدا في كليتنا، ولم نكن نعرف عنه شيئا يُذكر، فلم أستطع أن أرحب به إلا بعبارة بسيطة قلتها في أقل من عشرة ثوان، مفادها أننا نرحب به، ونتمنى له أن يرتفع بمستوى الكلية.. إلخ..
بعدها فوجئت بزملائي - أوائل الأقسام الأخرى من الكلية الذين تقدموا بعدي ليرحبوا به بالمثل - فوجئت بهم يدخلون بصفحات يفردونها ويقرأون منها.. أولهم - المفتري! - أخرج ثلاثة ورقات "A4" وشرع يقرأ منها، بدأها بقصيدة كتبها بسلامته في العميد الجديد.. يا نهار
إسود! هي حصّلت؟!
هل تذكرون موقفا مشابها في فيلم "مراتي مدير عام"؟
وجاء التالي والذي يليه بالقصائد والخطب العصماء، بينما أنا - ممثل قسم اللغة العربية - أقف متضائلا في جانب، وأزداد تضاؤلا في عيون الأساتذة كلما أبدع الزملاء وأطالوا وتفننوا في مديح سيادته.. أما أنا فكنت أحاول أن أفهم ماذا يحدث بالضبط؟ لم يقل لي أحدهم مثلا أنني يجب أن اجهز ورقة لأقرأ منها.. لعلهم يعدون ذلك بديهيا! ولو قالوا لي، هل كنت سأفعل؟
بعدها قال لي المعيد ونحن خارجين من القاعة موبخا: 
- وعايز تتعين؟!
انتهى العام الدراسي، واستطعت الحفاظ على تقدير امتياز، وفزت بلقب الطالب المثالي في الجامعة، وظننت - وظن الكثيرون كذلك - أنني سأعين لا محالة، لكنني لم أُعين.. لا أعرف السبب بالضبط، ولست متأكدا إن كان هذا له علاقة بواقعة حفل التكريم أم لا.. لكنهم قالوا لي أنني لن أعين لأنهم لن يأخذوا معيدين هذا العام من قسم اللغة العربية، وسيأخذوا من أقسام أخرى.. وقال لي زملائي بعدها أن فلانة التي عُينت من قسم رياض الأطفال أخوها معيد قديم هنا، وأنها كانت تجلس معه دائما وسط أعضاء هيئة التدريس كأنها منهم، وهي ما زالت طالبة.. لكنني لست متأكدا من شيء..
الجميل في الأمر أنني راض تماما بما حدث، ولو كنت علمت الغيب وقتها لاخترت هذا الواقع نفسه...

2010-05-03

يارا



اسمها يارا..
كنت مدرسا للمرحلة الإعدادية في مدرسة روضة/ ابتدائي/ إعدادي خاصة. وكنت أمشي في الممرات بين الفصول، عندما وجدت (ميس شيماء) مدرّسة الكي جي تقف أمام فصلها تبحث عمن ينجدها.. كانت طفلة من فصلها تبكي بحرقة، ولم تفلح في إقناعها بالتوقف عن البكاء..
سألتها عما بها، فأخبرتني أنها لا تريد أن تمكث في الفصل، و"عايزة تروح لماما"!
- أختها في سنة رابعة.. ممكن توديهالها يمكن تهديها شوية؟ عشان أنا مش هينفع أسيب الفصل.
نزلت إليها نصف جالس، لأصبح في مستواها، وقلت لها بلهجة قد تبدو مضحكة لمن يسمعني:
- ايه مالك؟ بتعيطي ليه؟
- مش عايزة أقعد هنا.. عايزة ماما!
- مش عايزة تقعدي هنا ليه؟ ده الفصل جميل! طيب خلاص ما تعيطيش.. تيجي نروح لأختك؟
- آه..
هدأت قليلا وكفت عن البكاء عندما علمت أنها ستذهب لأختها، وإن لم تجف دموعها بعد..
- هي اسمها إيه؟
- سارة.
- وانتي اسمك إيه؟
- يارا!
ضحكت، وقلت لها مشاكسا:
- انتي سارة وهي يارة؟
قالت وقد انتابتها جدية مفاجئة وهي تصحح لي في:
- لأة! أنا يارة وهي سارة!
- طيب ما أنا فهمت.. انتي سارة وهي يارا!
أدركت أنني أداعبها، فضحكت واستمرت تصحح لي وقد أعجبتها لعبتي الساذجة:
- لأ باقولك.. أنا اللي يارا.. هي سارة!
- طيب يا سارة.. وأنا محمد!
ضحكت مرة أخرى.. لم تمل من اللعبة المكررة!
طفلة جميلة هي، "كلبوظة" قليلا، مريولتها جميلة مكوية بعناية، وشعرها مصفف بعناية كذلك، يعلو كل ضفيرة من ضفيرتيها شريط ملون جميل.. مظهرها ونظرتها البريئة الخائفة يوحيان بأن هذه أول مرة تبتعد فيها عن حضن أمها..
استأذنت مدرّس فصل سارة، فناداها لنا.. هرعت يارا إليها باكية من جديد..
تشبهها كثيرا.. نسخة منها أكبر سنا قليلا، مع بعض الثقة والشاوة التين تفتقدها يارا..
حاولت سارة طويلا أن تهدئ من روعها حتى كفت عن البكاء أخيرا..
بعد قليل ظللنا واقفين هكذا، وسارة تنظر إلي وهي ما زالت ممسكة بيدها، وتبتسم مرتبكة.. تريد أن تذهب إلى فصلها، لكن ماذا عن يارا؟!
- طيب.. روحي انتي فصلك..
لم تبكِ يارا.. اطمأننت إلى أنها هدأت أخيرا..
- تروحي الفصل بقى؟
- لأ.. أنا عايزة ماما..
وبكت من جديد!
- طيب خلاص خلاص.. ما تعيطيش.. بلاش الفصل.. تيجي نلعب؟!
- لأ.. مش عايزة ألعب!
كفت عن البكاء بعد قليل، لكن نظرتها الخائفة لم تفارقها.. وقفت أنظر إليها لا أدري ماذا أفعل.. هي لا تريد الفصل.. أظن أنها لم تعتد وجود كل هذا العدد من البشر، وأصابها الفزع من كل هؤلاء البشر!
لحسن الحظ لم يكن لديّ حصصا وقتها..
- ياللا ننزل تحت؟
تركت لي يدها مستسلمة، وراحت تنزل السلم معي درجة درجة كما يفعل الأطفال في سنها..
نزلنا إلى الفناء، واشتريت لها بعض البسكويت والحلوى، لكنها أبت أن تذوق شيئا منها، وإن بدأ الخوف يفارقها، ونست قليلا مشكلة الفصل والبكاء والعودة إلى ماما.
جاءت فسحة ابتدائي، وامتلأ الفناء بالتلاميذ الذين راحوا يهرولون في كل مكان، كأنهم حريصون على ملئ كل الفراغات في الفناء. وجاءت سارة.. تركت لها يارا وذهبت..
كان يجب أن أذهب لأصلي، وأواصل حصصي..
بعد حصتين، مررت على فصل يارا.. كان الباب مفتوحا، والميس تجلس على مقعدها المواجه للتلاميذ وقد أجلست يارا بجانبها، لكنها لم تكن تبكي...
***
في اليوم التالي انشغلت في حصصي من بداية اليوم، حتى فسحة ابتدائي، فنزلت لأتوضأ..
مررت بالفناء فوجدت الضجيج المعتاد لتلاميذ الابتدائي في الفسحة، وجدت شجارا فوقفت أفضه، وجاءت بنت من سنة ثالثة تشكو لي زميلتها التي دفعتها.. هكذا شرعت أحقق في الأمر وأقضي فيما بينهم، حتى لمحت يارا.. كانت جالسة على رصيف الفناء في ركن بعيد عن أماكن الشجار واللعب.. مستكينة هادئة شبه منكمشة، تمسك في يدها كيسا به سندوتشاتها لكنها لا تأكل..
ذهبت إليها فتهلل وجهها حين رأتني.. جلست بجانبها على الرصيف.
- إزيك يا يارا؟ مش بتاكلي أكلك ليه؟
- موش عايزة!
- ليه؟ موش عايزة ليه؟ لأ لازم تاكلي أكلك..
- لأ موش جعانة..
- طيب هاتي سندوتش ليا بقى!
ضحكت ومدت يدها لي به، فضحكت ورحت أواصل محاولات إقناعها بأن تأكل.. بعد ان ضحكنا قليلا بدأت تأكل فعلا.. كأنها اعتادت ألا تأكل إلا بعد أن يُقال لها.. أو لعلها لم تعتد أن تأكل وهي وحيدة..
***
بعد أيام أصبحت أعتاد أن أبحث عن يارا في الفناء وأنا ذاهب لأصلي، فأجدها تجري وتتقافز في مرح وانطلاق في الفناء، ثم تتوقف وتعود لتجري في اتجاه آخر، وكأنها لا تدري إلى أي اتجاه تنطلق، وهي تمسك بيدها سندوتشا، وبيدها الأخرى كيس السندوتشات.. لكن وحدها أيضا..
أناديها فتجري إليّ مسرعة، فأحملها خطفا من الأرض، وهي تقهقه فرحة، ثم أنزلها وأنزل نصف جالس بجانبها لأسألها عن فصلها ومدرّستها والمدرسة...
***
عندما تركت المدرسة في العام الدراسي نفسه كنت مقتنعا تماما بذلك، فمن العبث أن أستمر في العمل هنا بمائة وأربعين جنيه شهريا دون دروس خصوصية، خاصة أنني تحمست كثيرا للوظيفة الجديدة التي وجدتها.. لكنني عندما أتذكر يارا أعرف أنني خسرت كثيرا...