2010-05-29

لماذا لم يتعلم السياحة والفندقة في كلية الآداب قسم فلسفة؟

- 1 -
أنهى تعليمه الثانوي كيفما اتفق، وحصل على مجموع متوسط.. لم يكن يبالي أصلا.. اختار الكلية - أو اختيرت له - بالاستبعاد: لا يحب اللغات، وليس جيدا فيها، ولا يطيق المواد العملية، وليست له ميول فنية أو رياضية أو أدبية.. بعد استبعاد كل ذلك تبقت له بعض الكليات، كان أسهلها (أو أعلاها مجموعا): كلية الآداب (انتساب) قسم الفلسفة..
مجموعه كان يتيح له كليات أخرى، مثل الحقوق وتجارة انتساب، لكن آداب انتساب كانت الأعلى مجموعا، ولهذا بدا له ولأسرته أنه ليس من المنطقي أن يهدر الدرجات الزائدة، فإذا كانت الآداب هي الأعلى مجموعا، فهي بالتأكيد - وبمنطق السوق - الأفضل.. ومن يترك الأفضل ليحصل على الأقل؟!
لا أحد طبعا!
قضى أعوامه الأربع في الكلية كيفما اتفق، وهي لا يدري ماذا يمكن أن يعمل بعد أن يتخرج من كلية الآداب قسم الفلسفة؟
أحب زميلة له وقرر أن يتزوجها..
بعد التخرج عمل مع أخيه (خريج آداب تاريخ) في مطعم سياحي على النيل.. بدأ بالعمل في أشياء مختلفة، حتى تعلم وأصبح ساقيا (جرسون)..
تقدم لزميلته وخطبها، واشترى له أبوه شقة من مدخراته، وزوجه..
والآن بعد كل هذه السنوات وقد رزقه الله بطفلتين جميلتين، مازال يعمل في المطعم ذاته، ولم يعد يمكنه أن يغير المهنة، وإن كان لا يمكنه القول بأنه يحبها.. أو يكرهها! لكنه لا يدري بالضبط لماذا كان يجب أن يدخل الجامعة؟
ماذا كانت فائدة كل هذا المجهود والوقت الضائع والمصروفات وقلق الامتحانات، إذا كان لم يتعلم شيئا يذكر ولم يستفد شيئا إلا أنه قابل زميلته التي أحبها وتزوجها؟
ألم يكن من الأفضل له أن يعمل في المطعم ذاته بدلا من سنوات الجامعة التي ضاعت؟
نظريا نعم.. لكن عمليا، وفي مصر: لا.
يجب أن يحصل على الشهادة الجامعية ليقبله أهل الفتاة التي سيتزوجها.. وكان يجب أن يزعم لأهله وللناس أنه يريد أن يتعلم لوجه العلم ذاته، وكان يريد أن يعيش حياة الجامعة بما فيها من حرية ومرح كالآخرين، وكان يخشى أن يجد نفسه في ورطة ما بعد التخرج، ويريد تأجيلها أطول وقت ممكن..
لم يستفد شيئا قط من دراسته بالكلية، لم يكن يحضر المحاضرات إلا لماما، وعندما كان يحضر لم يكن يركز فيما يقال، وعندما كان يسمع لم يكن يستوعب الكثير، وما كان يستوعبه لم يكن يكترث له أصلا..
زوجته أيضا كانت في القسم نفسه.. دخلت هذا القسم بطريقة الاستبعاد الشعبية ذاتها. لم تتعلم شيئا أيضا..
عملت بعد التخرج في سنترال صغير، حتى تزوجت من زميلها الذي أحبته.
عندما سألت نفسها فيما بعد عن جدوى كل هذه الدراسة في الجامعة، لم تجد سببا حقيقيا يقنعها.. لكنها كان يجب أن تفعل حتى يقبلها زوجها وأهله، وحتى لا يحسبونها جاهلة، برغم أنها - فعليا - لم تتعلم شيئا في الجامعة..
لقد دخلت الجامعة حتى تكون لائقة له، وهو دخل الجامعة حتى يكون لائقا لها.. وفي النهاية لم ير أي منهما غضاضة من أن يعمل في مطعم، لأن هذا عمل شريف، والعمل ليس عيبا..
لا أقول بأنه أخطأ عندما دخل كلية آداب قسم فلسفة، لكنني أرى أن الخلل في الجامعة نفسها.. كان يجب أن يتعلم فيها مبادئ السياحة والفندقة، ولغة أجنبية واحدة، لأن هذا ما كان يحتاجه حقا بعد ذلك..
***

- 2 -
إبراهيم مر بالظروف نفسها، أكمل تعليمه الثانوي بالطريقة نفسها، والتحق بالجامعة بالطريقة نفسها، لكن حظه ألقاه في كلية الخدمة الاجتماعية..
بعد التخرج عمل مصورا في المؤسسة التي أعمل بها. السبب أن هذا العمل لم يكن يشترط مهارات معينة،كانوا يريدون شخصا ما يمكنه التقاط صور بكاميرا رقمية، ثم ترتيب وتنظيم هذه الصور عندما تُطلب منه..
ولأن هذا العمل لن يملأ وقت العمل، فقد عهدوا إليه بأعمال تنظيمية، مثل تنظيم المكتبة والخزانة.. إلخ..
ومرت الشهور والسنون، وهو في هذا العمل، لا يرى أية بادرة للتقدم.. لا زيادة في الأجر تقريبا لأنه لا زيادة في المهارات أو العمل..
بدأ يبحث عن "كورسات". التحق بكورسات اللغة الإنجليزية وكورس جرافيك، وكلفه ذلك الكثير..
لم يكن موهوبا أو ماهرا في ذلك، لكنه تعلم مبادئ بعض برامج الجرافيك، والتحق بإحدى شركات التحريك، في عمل لا يتطلب أكثر من معرفة مبادئ الجرافيك.. ولا يشترط التخرج من كلية فنية مثلا.
المرتب هنا أفضل وقابل للزيادة.. سيستقر هنا.
هل أفادته الكلية بشيء، أم اكتفت بإضاعة أربعة أعوام من عمره سدى؟
لم يكن يبالي كثيرا بالأعوام التي ضاعت، وإن كان يفضل لو أن تعلم في الجامعة بعض برامج الجرافيك إلى جانب اللغة الإنجليزية.