2010-05-04

وعايز تتعين؟

قال المعيد السابق لي: نافقه..!
كان يتحدث عن العميد الجديد لكلية التربية في جامعتي، وكان الأساتذة قد أقاموا له حفل تكريم - قال يعني! - حتى نعبر له عن ترحيبنا وسعادتنا بقدومه عميدا للكلية..
ولأنني كنت أول دفعتي، وبالتالي كنت مرشحا لتعييني معيدا في الكلية - وكان ذلك في الفصل الدراسي الثاني من العام الأخير - فقد كلفني الأساتذة بأن ألقي كلمة ترحيب بسيادته، وأنا أقدم له الهدية التي سنحضرها نحن طلاب قسم اللغة العربية.. طيب الهدية وعرفنا كيف سأقدمها.. لكن كلمة؟!
ماذا أقول بالضبط يعني؟
هكذا سألت المعيد - الذي يسبقني بدفعتين:
- ماذا أقول له بالضبط؟ لم أفهم ما المطلوب مني!
قال لي كلاما كثيرا لا أذكره، ولم أفهمه وقتها، ويبدو أنه كان يتوقع مني أن أقرأ ما بين السطور، أو أفهم تلميحاته، وهو ما أفشل فيه دوما، فقلت له بالتناحة المناسبة:
- مش فاهم!
قال لي:
- من الآخر.. نافقه..!
صُدمت.. ببساطة لأنني لم أتصور أن هذا الكلام يقال هكذا صراحة، كنت أظن أن من ينافق يسمي هذا ذوقا أو شياكة أو حتى مجاراة للواقع..
ماذا أفعل في موقف كهذا؟
لا لم أتخذ موقفا ثوريا، ولم تأخذني الجلالة وأقول لن أنافق.. إلخ..
فقط حاولت أن أقول كلمة مجاملة، لكنني فشلت.. لم أفهم أنهم لا يريدون مجاملة.. إنهم ينتظرون مني أن أكذب هكذا بكل بجاحة على رؤوس الأشهاد، وأعدد في مناقب الباشا كأنه شاهبندر التجار الجديد.. لم أفهم هذا وقتها والحمد لله، والله أعلم ماذا كنت سأفعل لو كنت فهمت.. أنا لا أريد أن أعرف!
المهم أن الرجل كان جديدا في كليتنا، ولم نكن نعرف عنه شيئا يُذكر، فلم أستطع أن أرحب به إلا بعبارة بسيطة قلتها في أقل من عشرة ثوان، مفادها أننا نرحب به، ونتمنى له أن يرتفع بمستوى الكلية.. إلخ..
بعدها فوجئت بزملائي - أوائل الأقسام الأخرى من الكلية الذين تقدموا بعدي ليرحبوا به بالمثل - فوجئت بهم يدخلون بصفحات يفردونها ويقرأون منها.. أولهم - المفتري! - أخرج ثلاثة ورقات "A4" وشرع يقرأ منها، بدأها بقصيدة كتبها بسلامته في العميد الجديد.. يا نهار
إسود! هي حصّلت؟!
هل تذكرون موقفا مشابها في فيلم "مراتي مدير عام"؟
وجاء التالي والذي يليه بالقصائد والخطب العصماء، بينما أنا - ممثل قسم اللغة العربية - أقف متضائلا في جانب، وأزداد تضاؤلا في عيون الأساتذة كلما أبدع الزملاء وأطالوا وتفننوا في مديح سيادته.. أما أنا فكنت أحاول أن أفهم ماذا يحدث بالضبط؟ لم يقل لي أحدهم مثلا أنني يجب أن اجهز ورقة لأقرأ منها.. لعلهم يعدون ذلك بديهيا! ولو قالوا لي، هل كنت سأفعل؟
بعدها قال لي المعيد ونحن خارجين من القاعة موبخا: 
- وعايز تتعين؟!
انتهى العام الدراسي، واستطعت الحفاظ على تقدير امتياز، وفزت بلقب الطالب المثالي في الجامعة، وظننت - وظن الكثيرون كذلك - أنني سأعين لا محالة، لكنني لم أُعين.. لا أعرف السبب بالضبط، ولست متأكدا إن كان هذا له علاقة بواقعة حفل التكريم أم لا.. لكنهم قالوا لي أنني لن أعين لأنهم لن يأخذوا معيدين هذا العام من قسم اللغة العربية، وسيأخذوا من أقسام أخرى.. وقال لي زملائي بعدها أن فلانة التي عُينت من قسم رياض الأطفال أخوها معيد قديم هنا، وأنها كانت تجلس معه دائما وسط أعضاء هيئة التدريس كأنها منهم، وهي ما زالت طالبة.. لكنني لست متأكدا من شيء..
الجميل في الأمر أنني راض تماما بما حدث، ولو كنت علمت الغيب وقتها لاخترت هذا الواقع نفسه...