2010-05-05

أخطر ثغرة في التعليم المصري



التعليم الحكومي في مصر يبدأ بثغرة في تعليم اللغة العربية، قد تبدو بسيطة، لكنها تنتج متعلما لا يجيد القراءة أصلا!
تعلم اللغة العربية يجب ان يبدأ بتعلم الحروف الهجائية (قراءة وكتابة وصوتا)، والأهم بعد بعد ذلك تعلم الحركات.
الحركات في اللغة العربية ليست هي الحركات البسيطة مثل اللاتينية.. هل تعرف أن الحركات في اللغة العربية ثلاث عشرة حركة؟!
أي أن الحرف الواحد يمكن أن ينطق بثلاث عشرة طريقة:
الفتحة، الكسرة، الضمة، السكون، الشدة، تنوين الفتح، تنوين الكسر، تنوين الضم، الفتحة مع الشدة، الكسرة مع الشدة، الضمة مع الشدة، تنوين الفتح مع الشدة، تنوين الكسر مع الشدة، تنوين الضم مع الشدة.
لسبب ما سقطت هذه النقطة من تعليم القراءة في المدارس المصرية، سهوا أو عمدا، ليبقى مكانها خاليا كفجوة مشوهة في أساس مبنى كبير، قد يسقط تماما بدون هذا الحجر الصغير..
ربما اعتمدوا على أن الطفل سيتعلم الحروف والحركات في مرحلة الروضة، وهو ما لا يحدث إلا في مدارس اللغات، وهي ليست بخيار وارد أصلا بالنسبة لأسرة مصرية عادية.
للأمانة أقول إن المناهج لا تخلو تماما من هذه الحركات، لكنها موزعة على دروس أولى وثانية، وربما ثالثة ابتدائي أيضا، وهذه استراتيجية جيدة، تهدف إلى تعليم الحركات من خلال الكلمات، وتقوم على نظرية من نظريات علم نفس التعلم، مفادها أن الإنسان يتعلم الجزء من خلال الكل بشكل أفضل.. جميل.. لكن المدرس - وكذلك أولياء الأمور - لا يدركون أن الهدف من هذه الدروس هو تعليم الحركات وليس مجرد تحفيظ كلمات. والنتيجة أنهم يعلمون الطفل ما يظنون أنه الهدف: حفظ كلمات جديدة وكتابتها..
 كريم كان تلميذا عندي، في الصف الثاني الإعدادي للمرة الثانية، لكن أباه يظنه في الصف الثالث، وأمه تخفي عنه ذلك بالاتفاق مع إدارة المدرسة، لأنه - أباه - "شديد" ولو عرف بهذه المصيبة لربما قتله!
بعد ملاحظتي لكريم، وجدت أنه أميّ تماما..
في الصف الثاني الإعدادي ولا يستطيع قراءة اسمه.. لكنه يحفظه فحسب!
أخبرت أمه أنه لن يستوعب شيئا من منهج ثانية إعدادي، ولا مفر من بداية تعليمه القراءة والكتابة..
كريم ليس حالة نادرة، بل هو نموذج شائع جدا.. كثير منهم يحصل على الشهادة الإعدادية وهو مازال أميا..
أين مدرسو اللغة العربية من هذا؟
مدرس الفصل لا يجد حيلة معه، بعضهم يحاول عمل مجموعات تقوية لمثل هؤلاء، لكن هذا لا يفلح غالبا، لأن الطفل يكون قد فقد الرغبة في التعلم منذ زمن، ويكون ماهرا في التملص من كل أنشطة التعلم..
المشكلة الأكبر ان المدرس نفسه قد يكون "فاقدا للشيء".. فكيف سيعطيه؟!
في كلية التربية - حيث درست - بقسم اللغة العربية، درسنا "علم العروض"، الذي يبحث في موسيقى الشعر.. علم العروض يعتمد بشكل أساسي على تحويل كل حروف اللغة إلى حركات وسكنات فحسب، اعتمادا على حركت النطق.. الموضوع يعتمد بشكل أساسي على الحركات.. هذا شيء بديهي!
اكتشفت أن أكثر من تسعين بالمائة من زملائي لا يجيدون التعامل مع الحركات.. عندما تسمع كلمة ما مثل: "تقدمٌ" من البديهي أن تدرك - بمجرد السمع - أن الدال تُنطق بشَدة وضمة.. هذه مهارة يتدرب عليها الطفل منذ حداثته.. حسنا.. لم أجد أحدهم يفهم شيئا من هذا!
كانت هذه المادة كارثة بالنسبة للجميع تقريبا، ماعدا العبد لله (تعلمت القراءة في الكتّاب)، وصديقي الفلسطيني سائد (دراسته كانت في فلسطين، وكان ماهرا حقا، وأربع أو خمس من زملائنا من محافظات أخرى، كلهم يحفظون القرآن الكريم، وزميلتنا المنتقبة "أم ياسر"..
لك أن تتخيل أنني كنت أعد جلسات لزملائي لأدربهم على الحركات ونطقها وتمييزها اعتمادا على منهج كتاب المطالعة الأولية القديم (الذي نعرفه في مصر باسم "كتاب وزن")!
كثير من مدرسي اللغة العربية من جيلي الذين عرفتهم في مدارس مختلفة كانوا يعانون من ضعف واضح في هذه النقطة.. لكن المدرس يمر بمراحل عميقة في دراسة علوم اللغة العربية، فيسد هذه الثغرة، لكن دون وعي منه، فيبقى جاهلا بأهميتها..
الحركات ليست مجرد درس سقط سهوا، وإنما هي حجر أساس مفقود، في بناء لن يكون بدونه إلا ضعيفا واهيا..
في تجربتي في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الأكاديمية العربية، نستخدم منهجا متدرجا لتعليم الحروف والحركات بالمبدإ نفسه الذي كان يُستخدم في "كتاب وزن"، بعد تطويره طبعا ليناسب الاستراتيجيات التعليمية الأحدث..
كنت أواجه صعوبات ومشكلات في تعليم الطلاب هذه المرحلة (مرحلة الحروف والحركات)، مثل صعوبة نطق بعض الأصوات العربية كالحاء والعين والضاد، وصعوبة التفرقة بين بعض الحروف التي تبدو في سمع الطالب الأجنبي متشابهة، مثل الحاء والهاء، والكاف والقاف، والسين والصاد.. إلخ.. كل هذه صعوبات متوقعة ولا نتوقع التغلب عليها بنسبة كافية في هذه المرحلة، ولا نتركها تبطئ من سرعة عملية التعليم.. لكن أية عقبات تواجهني في إدراك واستيعاب الحركات ونطقها والفروق بينها تعني أنني يجب أن أتوقف هنا.. هذه أشياء لا يمكن تجاوزها.. هي ليست مجرد معلومات يجب أن "يعرفها" الطالب.. هذه "مهارات" يجب أن يجيدها، حتى يمارسها بعد ذلك بالبديهة..
أشياء كهذه يفتقدها أغلب خريجي المدارس الحكومية الذين اعتمدوا تماما على تعليم المدرسة، ولم يجدوا من يسد الثغرة.. والنتيجة أن لدينا الآن أجيالا من المدرسين والمحامين والصحفيين والإعلاميين لا يجيدون القراءة باللغة العربية..
كان أستاذي العظيم "د. زكريا توفيق" يدرّس لنا علم الأدب الأندلسي في الجامعة، وكان يطلب من بعض الطلاب أن يقرأوا بعض المقاطع من الكتاب جهريا، فكان يقول لهم "انتو ما بتعرفوش تقروا"!.. وقضى الرجل الفصل الدراسي يعلمنا القراءة والأدب الأندلسي - على التوازي - لأن ضميره لم يسمح له بالتغاضي عن جيل سيخرج من تحت يده ليدرّس اللغة العربية للأطفال وهو لا يجيد القراءة!
لكن أغلب الزملاء لم يكن يهتم إلا بما سيأتي في الامتحان، فلم يستفيدوا منه شيئا.. دعك من الآلاف الذين يتخرجون من كليات التربية سنويا، دون أن يجدوا أستاذا مثل د. زكريا توفيق..
إنهم كثيرون حقا.. إنهم حولنا في كل مكان، يدرّسون اللغة العربية، ويوحون لك بأنهم جهابذة اللغة، وهم لا يفوقونك - أنت غير المتخصص - إلا بأنهم صاروا "يحفظون" قواعد النحو الأساسية التي يدرّسونها لطلابهم، بينما أنت لا تملك إلا أن تصدقهم ولا تملك أن توقن من شيء، لأن مصيبتك أكبر طبعا.. 
لو درست أنا اللغة اليابانية لشهر واحد، وأنت لا تفقه شيئا عنها، فمن السهل علي أن أوهمك أنني أجيد اليابانية كأنني ولدت في اليابان، وربما أقنعتك أيضا أنني أجيد الصينية والكورية كذلك، لأنك على الأرجح لن تفهم الفروق بينها! 
هذه الكارثة ليست في كليات التربية فحسب طبعا، فنظرية الأواني المستطرقة لا ترحم أحدا، والمجاري الطافحة - حفظكم الله - تتسرب إلى كل شيء، ولا تستثني شيئا، إلا من رحم ربي، ممن فاق ذكاؤهم أعمارهم، أو نشأوا في بيئة نجحت لسبب ما في سد الثغرة.. 
الحل الأسهل في رأيي - وأنا لا أمزح هنا - هو إعادة تدريس "كتاب وزن" في المرحلة الابتدائية، وتدريسه أيضا للفرقة الأولى من أقسام اللغة العربية في الجامعات على سبيل الاحتياط!