2010-05-15

أسئلة بلا إجابات (3): ما جدوى كليات التربية؟

في كلية التربية كنا ندرس نوعان من المواد: المواد الأكاديمية (في حالتي كانت اللغة العربية)، والمواد التربوية: علوم النفس، وطرق التدريس والمناهج وأصول التربية وتكنولوجيا التعليم.. وهذه المواد هي الفرق بين كليات الآداب والتربية.منذ العام الأول في كلية التربية أصابنا انبهار طفولي بكل ما ندرسه من طرق تدريس يفترض أننا نتعلمها لنعمل بها بعد التخرج.. السبب أننا لم نتعلم هكذا. نحن تعلمنا بالطرق التقليدية: مدرس يشرح، وسبورة وطباشير وواجب وحفظ وتسميع ثم امتحانات. هذه هي فكرتنا المسبقة عن التدريس.. فإذا بنا نتعلم أن المدرس في الفصل لا يجب أن يشرح الدرس أصلا!
نعم.. المدرس لا يجب أن يتكلم أكثر من 10 دقائق من إجمالي وقت الحصة، لأن دوره الحقيقي كالمخرج السينمائي، يدير ويوجه الطلاب في الفصل، طبقا ليسناريو معد مسبقا، هو "خطة الدرس"، أو ما يسمونه في مدارس الوزارة "التحضير". السيناريو، أو خطة الدرس يحدد كيف سيسير الدرس بالضبط، ويوزع الأدوار على الطلاب، بحيث يكونون في عمل طول الوقت، وليسوا مجرد مستمعين للمدرس: يقرأون الدرس، يتناقشون فيه، يحللون عناصره، ويستخرجون النقاط المهمة، يحددون الصعوبات ويفكرون فيها سويا، ينتقدون ويتبادلون الآراء، يتفقون ويختلفون مع ما يدرسون، يضعون أفكارا أخرى وحلولا بديلة، يحددون المشكلات ويفكرون في حلول لها... كل هذا وفقا للخطة التي يضعها المدرس، وباستخدام الوسائل التعليمية المتاحة.
طبعا كنا نتساءل: ما هذا الخيال العلمي! ما جدوى كل هذا؟ أين سنطبق كل هذا؟ في مدارس الوزارة؟!
بعضنا كان "بايع القضية" و"مكبر دماغه" من البداية، لكن فئة منا من أمثالنا من البشر الفقري سألوا الأساتذة عن جدوى كل هذا، فقالوا لنا إننا يجب أن نتعلم بطريقة صحيحة، وبعد ذلك العمل شيء آخر.. لربما تغير الحال عما قريب.. لربما أسند إلينا مهمة التطوير الذي نتمناه، وعندها يجب أن نعرف ماذا نفعل، وإلا فإننا سنستمر في إفساد ما أفسده السابقون أصلا..
بعد التخرج رأيت الأمر بوضوح أكثر. مدراس الوزارة تسير بالطريقة القديمة برغم كل ادعاءات التطوير، ولن يتغير هذا في ظل النظام الحالي.. المدارس الخاصة أغلبها لا تختلف كثيرا، لكن بعضها يسعى للتطوير حقا، وبعضها نجح في تطوير أساليب التعليم بشكل جيد جدا..
بالنسبة لي عثرت بعد فترة على حلمي الخاص بالعمل في مكان يسعى لاستخدام أفضل وأحدث طرق التدريس، بل ويحترم رأيي فيما أدرس، ويسمح لي بتطويره وتعديله فورا طالما كان ذلك على أسس علمية سليمة.. صحيح أن هذا المكان يدرس العربية للأجانب، لكنه هنا في قلب القاهرة.
لكن ماذا عن هذه النسبة الكبرى من المدرسين الذين سيعملون في مدارس الوزارة؟ هل هناك من جدوى من كل ما يتعلمونه في كليات التربية؟
في الوقت الحالي لا للأسف.. التغيير مرفوض أصلا. عندما كنا في التربية العملية في مدرسة إعدادية بمصر القديمة كان المدرسون يتعجبون من طريقتنا في كتابة تحضير الدروس، وبعد فترة بدأ كثير منا يقلد طريقتهم التي هي مجرد قالب ثابت تملأ أنت بياناته.
متى سيتغير هذا؟ هل سيتغير حقا؟
لا أعرف بالضبط، لكنه لن يتغير في ظل النظام الحالي. من متابعتي لمحاولات التطوير في الوزارة وجدتها تتحول كلها أولا بأول إلى "تظاهر بالتطوير".  كل شيء يفرغ من محتواه وهدفه ويتحول إلى استمارات إضافية وأعباء إدارية تضاف للمدرسين.. لكن لا تطوير حقيقي سيحدث، ما لم يتغير الإطار المنظم نفسه.. التعليم جزء أساسي من النظام العام، وككل شيء آخر هنا يحقق الأهداف المطلوبة منه، وهي أن يستمر كما هو محافظا على مصالح كل أصحاب المصالح. وليس من ضمن هذه الأهداف الارتقاء بالتعليم ذاته للأسف.
متى سينتهي كل هذا؟
لا أعرف.
هل تعرف أنت؟

* تدوينة مهداة إلى إسماعيل محمد