2010-05-10

كن حمارا تر الوجود جميلا...

كن حمارا.. تر الوجود جميلا..!
أن تكون مدرسا في هذا الزمن، فأنت مجبر على ذلك: أن تكون حمارا!
* * *

في كلية التربية كان هناك نوعان من الطلاب (مدرسي المستقبل): النوع الأول، وهو الذي اختار أن يكون حمارا من البداية.. شاب "مقضّيها" ولا مؤاخذة.. مكبّر.. عايش حياته.. يحضر محاضرات؟ أحيانا، ربما في أوقات فراغه.. المحاضرات في ذيل قائمة أولوياته؛ فهناك ما هو أهم – يا ريس – مثل الحريم (بنات الجامعة)، وما أدراك ما الحريم.. ليس بالضرورة أن يأخذ الأمر بنية سيئة كما تبادر إلى عقلك المريض؛ فالأمر عادةً لا يتعدى تكوين "شلة" تجيد الاستمتاع بوقتها.. ولا بأس من تجربة ارتباط فاشلة من البداية، مع الكثير من الدباديب والقلوب الحمراء والذي منه..
هناك أيضا قعدة المقهى، ورحلات القناطر وتمشية الكورنيش و.. و...
هذا النوع حمار حقيقي.. سله عن أي شيء في مجال دراسته أو خارجه، واستعد لنظرة البلاهة المطلقة في أبهى صورها.. سله عن الأغاني التي يسمعها سيحدثك عن العنب والحنطور، و "سيد يا سيد"، وربما بعضا من التامر حسني، وربما العمرو دياب لزوم الرقيّ.. سله عن الأفلام التي يشاهدها، واسترجع قائمة أفلام السبكي التي تقززت من مجرد مشاهدة إعلاناتها.. سله عن المؤلف أو المخرج الذي يفضله، واستمتع بارتباكه وهو يشرح لك كيف أن الممثل هو محور العمل الدرامي!
هل تريد متعة أكبر؟
ما رأيك بدعوته لزيارة معرض الكتاب معك؟
سيشتري بعض الكتب الدينية التي سمع اسمها مرة، وربما بعض كتب الأبراج أو الكتب الفكاهية، وربما شعر نزار قباني لو كانت صديقته تسمع كاظم الساهر!
النوع الثاني – بقى – هو باختصار: النقيض في كل هذا.
هذا النوع – يا عيني – يشقى، وتطلع عين الذين أنجبوه في كلام فارغ: محاضرات، ملخصات يصنعها بنفسه.. إلخ.. مع اهتمام غريب بطرق التدريس الخيالية التي ندرسها في الكلية.. أنا كنت من هذا النوع.. لم أكن حمارا للأسف، برغم أن الإغراء شديد..
في النهاية كما هو متوقع، كان طلاب النوع الثاني هم أوائل الكلية، وكنت أنا أحدهم.. هل نفعنا هذا بشيء؟ مطلقا!
لم يُعين أحد في الكلية.. حاولنا أن نحافظ على اختلافنا عن الحمير: التحق أكثرنا بالدراسات العليا، لكننا في النهاية عملنا في مدارس خاصة متواضعة، جنبا إلى جنب، حيث يبدأ فصل جديد مع نوع آخر من الحمير..
* * *

حاولت كثيرا ألا أصير حمارا في النهاية لكنني فشلت.. في كل تفاصيل عملي أنا مجبر على أن أكون حمارا..
تحضير الدرس - كما تعلمنا – هو أساس التدريس؛ تحدد أهدافك ووسائلك واستراتيجية التدريس التي ستستخدمها.. لكن المدير الحمار لا يريد سوى "خد كشكول من حد من المدرسين القدام وانقل منه التحضير"..!
الدروس الخصوصية – كما قرأنا – هي أكبر آفات التعليم المصري، لكنك ستقتنع بعد شهر واحد أنها النظام الأنجح لك وللطالب.. مائة وأربعون جنيها في الشهر ستقنعك!
اقتنعت؟
هل صرت حمارا هكذا؟
هيهات.. أنت فقط أخذت القرار، لكن هذا ليس سهلا.. الحمار كان يتدرب على أن يكون حمارا منذ سنواااات.. أنت ما زلت جحشا صغيرا. ولذلك: ستفشل طبعا!
لن تحصل على تلميذ واحد.. التلاميذ كلهم عند زملائك المدرسين من الحمير الحقيقيين..
تخيلت الموقف؟
الآن أنا أنتهي من المدرسة بعد الظهر، وأجلس على المقهى أتصفح الجريدة، وألعن هذا البلد الذي لا ينجح فيه إلا اللص أو الحمار..
نعم، أعرف ما ستقول: أسافر؟.. لن أرد عليك، سأترك هذا لأي زميل من الإسكندرية!
كل طرق السفر تتطلب الشيء نفسه: خبرة في التدريس لا تقل عن خمس سنوات..
طيب.. مستعد للعمل في أي شيء؟ لا فائدة.. كل الطرق للسفر مغلقة؛ هذا بلد يتمسك بأبنائه يا عزيزي.. هذا بلد "لا منه، ولا كفاية شره"..
أعود إلى نظرية الحمار مجبرا، وأحصل بمعجزة على تلميذين – من فصلي – يريدان درسا خصوصيا.. تلميذين من الطراز الذي نطلق عليه "بلاطة" طبعا، وإلا ما لجآ إلى مدرس كحيان مثلك..
اصبر!
غباء؟
اصبر!
ارتفاع في ضغط الدم؟
اصبر!
تذكر أن الصبر هو أهم صفة في الحمار.. لن تكون حمارا حقيقيا إلا بالصبر؛ فاصبر!
تشرح في الفصل قصيدة إيليا أبي ماضي الجميلة:
“أيهذا الشاكي وما بك داء كن جميلا ترَ الوجود جميلا"، وأنت تدرك أنهم لا يفهمون شيئا، باستثناء تلميذين أو ثلاثة، اختاروا ألا يكونوا حميرا، متأثرين بك للأسف..
هل تشعر بالذنب لأجلهم، أم لأجل الطلاب الحمير؟!
تتذكر تجربتك، والأيام الضائعة من عمرك قبل أن تقرر أن تصبح حمارا، ثم تدندن في نفسك ساخرا:
“كن حمارا، تر الوجود جميلا..!”
ثم تكرر الشرح نفسه كالببغاء في الدرس بعد الظهر.. لا يفهمان شيئا بطبيعة الحال.. من قال أن الحمير تفهم الشعر؟!