2010-05-03

يارا



اسمها يارا..
كنت مدرسا للمرحلة الإعدادية في مدرسة روضة/ ابتدائي/ إعدادي خاصة. وكنت أمشي في الممرات بين الفصول، عندما وجدت (ميس شيماء) مدرّسة الكي جي تقف أمام فصلها تبحث عمن ينجدها.. كانت طفلة من فصلها تبكي بحرقة، ولم تفلح في إقناعها بالتوقف عن البكاء..
سألتها عما بها، فأخبرتني أنها لا تريد أن تمكث في الفصل، و"عايزة تروح لماما"!
- أختها في سنة رابعة.. ممكن توديهالها يمكن تهديها شوية؟ عشان أنا مش هينفع أسيب الفصل.
نزلت إليها نصف جالس، لأصبح في مستواها، وقلت لها بلهجة قد تبدو مضحكة لمن يسمعني:
- ايه مالك؟ بتعيطي ليه؟
- مش عايزة أقعد هنا.. عايزة ماما!
- مش عايزة تقعدي هنا ليه؟ ده الفصل جميل! طيب خلاص ما تعيطيش.. تيجي نروح لأختك؟
- آه..
هدأت قليلا وكفت عن البكاء عندما علمت أنها ستذهب لأختها، وإن لم تجف دموعها بعد..
- هي اسمها إيه؟
- سارة.
- وانتي اسمك إيه؟
- يارا!
ضحكت، وقلت لها مشاكسا:
- انتي سارة وهي يارة؟
قالت وقد انتابتها جدية مفاجئة وهي تصحح لي في:
- لأة! أنا يارة وهي سارة!
- طيب ما أنا فهمت.. انتي سارة وهي يارا!
أدركت أنني أداعبها، فضحكت واستمرت تصحح لي وقد أعجبتها لعبتي الساذجة:
- لأ باقولك.. أنا اللي يارا.. هي سارة!
- طيب يا سارة.. وأنا محمد!
ضحكت مرة أخرى.. لم تمل من اللعبة المكررة!
طفلة جميلة هي، "كلبوظة" قليلا، مريولتها جميلة مكوية بعناية، وشعرها مصفف بعناية كذلك، يعلو كل ضفيرة من ضفيرتيها شريط ملون جميل.. مظهرها ونظرتها البريئة الخائفة يوحيان بأن هذه أول مرة تبتعد فيها عن حضن أمها..
استأذنت مدرّس فصل سارة، فناداها لنا.. هرعت يارا إليها باكية من جديد..
تشبهها كثيرا.. نسخة منها أكبر سنا قليلا، مع بعض الثقة والشاوة التين تفتقدها يارا..
حاولت سارة طويلا أن تهدئ من روعها حتى كفت عن البكاء أخيرا..
بعد قليل ظللنا واقفين هكذا، وسارة تنظر إلي وهي ما زالت ممسكة بيدها، وتبتسم مرتبكة.. تريد أن تذهب إلى فصلها، لكن ماذا عن يارا؟!
- طيب.. روحي انتي فصلك..
لم تبكِ يارا.. اطمأننت إلى أنها هدأت أخيرا..
- تروحي الفصل بقى؟
- لأ.. أنا عايزة ماما..
وبكت من جديد!
- طيب خلاص خلاص.. ما تعيطيش.. بلاش الفصل.. تيجي نلعب؟!
- لأ.. مش عايزة ألعب!
كفت عن البكاء بعد قليل، لكن نظرتها الخائفة لم تفارقها.. وقفت أنظر إليها لا أدري ماذا أفعل.. هي لا تريد الفصل.. أظن أنها لم تعتد وجود كل هذا العدد من البشر، وأصابها الفزع من كل هؤلاء البشر!
لحسن الحظ لم يكن لديّ حصصا وقتها..
- ياللا ننزل تحت؟
تركت لي يدها مستسلمة، وراحت تنزل السلم معي درجة درجة كما يفعل الأطفال في سنها..
نزلنا إلى الفناء، واشتريت لها بعض البسكويت والحلوى، لكنها أبت أن تذوق شيئا منها، وإن بدأ الخوف يفارقها، ونست قليلا مشكلة الفصل والبكاء والعودة إلى ماما.
جاءت فسحة ابتدائي، وامتلأ الفناء بالتلاميذ الذين راحوا يهرولون في كل مكان، كأنهم حريصون على ملئ كل الفراغات في الفناء. وجاءت سارة.. تركت لها يارا وذهبت..
كان يجب أن أذهب لأصلي، وأواصل حصصي..
بعد حصتين، مررت على فصل يارا.. كان الباب مفتوحا، والميس تجلس على مقعدها المواجه للتلاميذ وقد أجلست يارا بجانبها، لكنها لم تكن تبكي...
***
في اليوم التالي انشغلت في حصصي من بداية اليوم، حتى فسحة ابتدائي، فنزلت لأتوضأ..
مررت بالفناء فوجدت الضجيج المعتاد لتلاميذ الابتدائي في الفسحة، وجدت شجارا فوقفت أفضه، وجاءت بنت من سنة ثالثة تشكو لي زميلتها التي دفعتها.. هكذا شرعت أحقق في الأمر وأقضي فيما بينهم، حتى لمحت يارا.. كانت جالسة على رصيف الفناء في ركن بعيد عن أماكن الشجار واللعب.. مستكينة هادئة شبه منكمشة، تمسك في يدها كيسا به سندوتشاتها لكنها لا تأكل..
ذهبت إليها فتهلل وجهها حين رأتني.. جلست بجانبها على الرصيف.
- إزيك يا يارا؟ مش بتاكلي أكلك ليه؟
- موش عايزة!
- ليه؟ موش عايزة ليه؟ لأ لازم تاكلي أكلك..
- لأ موش جعانة..
- طيب هاتي سندوتش ليا بقى!
ضحكت ومدت يدها لي به، فضحكت ورحت أواصل محاولات إقناعها بأن تأكل.. بعد ان ضحكنا قليلا بدأت تأكل فعلا.. كأنها اعتادت ألا تأكل إلا بعد أن يُقال لها.. أو لعلها لم تعتد أن تأكل وهي وحيدة..
***
بعد أيام أصبحت أعتاد أن أبحث عن يارا في الفناء وأنا ذاهب لأصلي، فأجدها تجري وتتقافز في مرح وانطلاق في الفناء، ثم تتوقف وتعود لتجري في اتجاه آخر، وكأنها لا تدري إلى أي اتجاه تنطلق، وهي تمسك بيدها سندوتشا، وبيدها الأخرى كيس السندوتشات.. لكن وحدها أيضا..
أناديها فتجري إليّ مسرعة، فأحملها خطفا من الأرض، وهي تقهقه فرحة، ثم أنزلها وأنزل نصف جالس بجانبها لأسألها عن فصلها ومدرّستها والمدرسة...
***
عندما تركت المدرسة في العام الدراسي نفسه كنت مقتنعا تماما بذلك، فمن العبث أن أستمر في العمل هنا بمائة وأربعين جنيه شهريا دون دروس خصوصية، خاصة أنني تحمست كثيرا للوظيفة الجديدة التي وجدتها.. لكنني عندما أتذكر يارا أعرف أنني خسرت كثيرا...