‏إظهار الرسائل ذات التسميات حدث حقا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حدث حقا. إظهار كافة الرسائل

٢٠١٠-٠٥-٠٤

وعايز تتعين؟

قال المعيد السابق لي: نافقه..!
كان يتحدث عن العميد الجديد لكلية التربية في جامعتي، وكان الأساتذة قد أقاموا له حفل تكريم - قال يعني! - حتى نعبر له عن ترحيبنا وسعادتنا بقدومه عميدا للكلية..
ولأنني كنت أول دفعتي، وبالتالي كنت مرشحا لتعييني معيدا في الكلية - وكان ذلك في الفصل الدراسي الثاني من العام الأخير - فقد كلفني الأساتذة بأن ألقي كلمة ترحيب بسيادته، وأنا أقدم له الهدية التي سنحضرها نحن طلاب قسم اللغة العربية.. طيب الهدية وعرفنا كيف سأقدمها.. لكن كلمة؟!
ماذا أقول بالضبط يعني؟
هكذا سألت المعيد - الذي يسبقني بدفعتين:
- ماذا أقول له بالضبط؟ لم أفهم ما المطلوب مني!
قال لي كلاما كثيرا لا أذكره، ولم أفهمه وقتها، ويبدو أنه كان يتوقع مني أن أقرأ ما بين السطور، أو أفهم تلميحاته، وهو ما أفشل فيه دوما، فقلت له بالتناحة المناسبة:
- مش فاهم!
قال لي:
- من الآخر.. نافقه..!
صُدمت.. ببساطة لأنني لم أتصور أن هذا الكلام يقال هكذا صراحة، كنت أظن أن من ينافق يسمي هذا ذوقا أو شياكة أو حتى مجاراة للواقع..
ماذا أفعل في موقف كهذا؟
لا لم أتخذ موقفا ثوريا، ولم تأخذني الجلالة وأقول لن أنافق.. إلخ..
فقط حاولت أن أقول كلمة مجاملة، لكنني فشلت.. لم أفهم أنهم لا يريدون مجاملة.. إنهم ينتظرون مني أن أكذب هكذا بكل بجاحة على رؤوس الأشهاد، وأعدد في مناقب الباشا كأنه شاهبندر التجار الجديد.. لم أفهم هذا وقتها والحمد لله، والله أعلم ماذا كنت سأفعل لو كنت فهمت.. أنا لا أريد أن أعرف!
المهم أن الرجل كان جديدا في كليتنا، ولم نكن نعرف عنه شيئا يُذكر، فلم أستطع أن أرحب به إلا بعبارة بسيطة قلتها في أقل من عشرة ثوان، مفادها أننا نرحب به، ونتمنى له أن يرتفع بمستوى الكلية.. إلخ..
بعدها فوجئت بزملائي - أوائل الأقسام الأخرى من الكلية الذين تقدموا بعدي ليرحبوا به بالمثل - فوجئت بهم يدخلون بصفحات يفردونها ويقرأون منها.. أولهم - المفتري! - أخرج ثلاثة ورقات "A4" وشرع يقرأ منها، بدأها بقصيدة كتبها بسلامته في العميد الجديد.. يا نهار
إسود! هي حصّلت؟!
هل تذكرون موقفا مشابها في فيلم "مراتي مدير عام"؟
وجاء التالي والذي يليه بالقصائد والخطب العصماء، بينما أنا - ممثل قسم اللغة العربية - أقف متضائلا في جانب، وأزداد تضاؤلا في عيون الأساتذة كلما أبدع الزملاء وأطالوا وتفننوا في مديح سيادته.. أما أنا فكنت أحاول أن أفهم ماذا يحدث بالضبط؟ لم يقل لي أحدهم مثلا أنني يجب أن اجهز ورقة لأقرأ منها.. لعلهم يعدون ذلك بديهيا! ولو قالوا لي، هل كنت سأفعل؟
بعدها قال لي المعيد ونحن خارجين من القاعة موبخا: 
- وعايز تتعين؟!
انتهى العام الدراسي، واستطعت الحفاظ على تقدير امتياز، وفزت بلقب الطالب المثالي في الجامعة، وظننت - وظن الكثيرون كذلك - أنني سأعين لا محالة، لكنني لم أُعين.. لا أعرف السبب بالضبط، ولست متأكدا إن كان هذا له علاقة بواقعة حفل التكريم أم لا.. لكنهم قالوا لي أنني لن أعين لأنهم لن يأخذوا معيدين هذا العام من قسم اللغة العربية، وسيأخذوا من أقسام أخرى.. وقال لي زملائي بعدها أن فلانة التي عُينت من قسم رياض الأطفال أخوها معيد قديم هنا، وأنها كانت تجلس معه دائما وسط أعضاء هيئة التدريس كأنها منهم، وهي ما زالت طالبة.. لكنني لست متأكدا من شيء..
الجميل في الأمر أنني راض تماما بما حدث، ولو كنت علمت الغيب وقتها لاخترت هذا الواقع نفسه...

٢٠١٠-٠٥-٠٣

يارا



اسمها يارا..
كنت مدرسا للمرحلة الإعدادية في مدرسة روضة/ ابتدائي/ إعدادي خاصة. وكنت أمشي في الممرات بين الفصول، عندما وجدت (ميس شيماء) مدرّسة الكي جي تقف أمام فصلها تبحث عمن ينجدها.. كانت طفلة من فصلها تبكي بحرقة، ولم تفلح في إقناعها بالتوقف عن البكاء..
سألتها عما بها، فأخبرتني أنها لا تريد أن تمكث في الفصل، و"عايزة تروح لماما"!
- أختها في سنة رابعة.. ممكن توديهالها يمكن تهديها شوية؟ عشان أنا مش هينفع أسيب الفصل.
نزلت إليها نصف جالس، لأصبح في مستواها، وقلت لها بلهجة قد تبدو مضحكة لمن يسمعني:
- ايه مالك؟ بتعيطي ليه؟
- مش عايزة أقعد هنا.. عايزة ماما!
- مش عايزة تقعدي هنا ليه؟ ده الفصل جميل! طيب خلاص ما تعيطيش.. تيجي نروح لأختك؟
- آه..
هدأت قليلا وكفت عن البكاء عندما علمت أنها ستذهب لأختها، وإن لم تجف دموعها بعد..
- هي اسمها إيه؟
- سارة.
- وانتي اسمك إيه؟
- يارا!
ضحكت، وقلت لها مشاكسا:
- انتي سارة وهي يارة؟
قالت وقد انتابتها جدية مفاجئة وهي تصحح لي في:
- لأة! أنا يارة وهي سارة!
- طيب ما أنا فهمت.. انتي سارة وهي يارا!
أدركت أنني أداعبها، فضحكت واستمرت تصحح لي وقد أعجبتها لعبتي الساذجة:
- لأ باقولك.. أنا اللي يارا.. هي سارة!
- طيب يا سارة.. وأنا محمد!
ضحكت مرة أخرى.. لم تمل من اللعبة المكررة!
طفلة جميلة هي، "كلبوظة" قليلا، مريولتها جميلة مكوية بعناية، وشعرها مصفف بعناية كذلك، يعلو كل ضفيرة من ضفيرتيها شريط ملون جميل.. مظهرها ونظرتها البريئة الخائفة يوحيان بأن هذه أول مرة تبتعد فيها عن حضن أمها..
استأذنت مدرّس فصل سارة، فناداها لنا.. هرعت يارا إليها باكية من جديد..
تشبهها كثيرا.. نسخة منها أكبر سنا قليلا، مع بعض الثقة والشاوة التين تفتقدها يارا..
حاولت سارة طويلا أن تهدئ من روعها حتى كفت عن البكاء أخيرا..
بعد قليل ظللنا واقفين هكذا، وسارة تنظر إلي وهي ما زالت ممسكة بيدها، وتبتسم مرتبكة.. تريد أن تذهب إلى فصلها، لكن ماذا عن يارا؟!
- طيب.. روحي انتي فصلك..
لم تبكِ يارا.. اطمأننت إلى أنها هدأت أخيرا..
- تروحي الفصل بقى؟
- لأ.. أنا عايزة ماما..
وبكت من جديد!
- طيب خلاص خلاص.. ما تعيطيش.. بلاش الفصل.. تيجي نلعب؟!
- لأ.. مش عايزة ألعب!
كفت عن البكاء بعد قليل، لكن نظرتها الخائفة لم تفارقها.. وقفت أنظر إليها لا أدري ماذا أفعل.. هي لا تريد الفصل.. أظن أنها لم تعتد وجود كل هذا العدد من البشر، وأصابها الفزع من كل هؤلاء البشر!
لحسن الحظ لم يكن لديّ حصصا وقتها..
- ياللا ننزل تحت؟
تركت لي يدها مستسلمة، وراحت تنزل السلم معي درجة درجة كما يفعل الأطفال في سنها..
نزلنا إلى الفناء، واشتريت لها بعض البسكويت والحلوى، لكنها أبت أن تذوق شيئا منها، وإن بدأ الخوف يفارقها، ونست قليلا مشكلة الفصل والبكاء والعودة إلى ماما.
جاءت فسحة ابتدائي، وامتلأ الفناء بالتلاميذ الذين راحوا يهرولون في كل مكان، كأنهم حريصون على ملئ كل الفراغات في الفناء. وجاءت سارة.. تركت لها يارا وذهبت..
كان يجب أن أذهب لأصلي، وأواصل حصصي..
بعد حصتين، مررت على فصل يارا.. كان الباب مفتوحا، والميس تجلس على مقعدها المواجه للتلاميذ وقد أجلست يارا بجانبها، لكنها لم تكن تبكي...
***
في اليوم التالي انشغلت في حصصي من بداية اليوم، حتى فسحة ابتدائي، فنزلت لأتوضأ..
مررت بالفناء فوجدت الضجيج المعتاد لتلاميذ الابتدائي في الفسحة، وجدت شجارا فوقفت أفضه، وجاءت بنت من سنة ثالثة تشكو لي زميلتها التي دفعتها.. هكذا شرعت أحقق في الأمر وأقضي فيما بينهم، حتى لمحت يارا.. كانت جالسة على رصيف الفناء في ركن بعيد عن أماكن الشجار واللعب.. مستكينة هادئة شبه منكمشة، تمسك في يدها كيسا به سندوتشاتها لكنها لا تأكل..
ذهبت إليها فتهلل وجهها حين رأتني.. جلست بجانبها على الرصيف.
- إزيك يا يارا؟ مش بتاكلي أكلك ليه؟
- موش عايزة!
- ليه؟ موش عايزة ليه؟ لأ لازم تاكلي أكلك..
- لأ موش جعانة..
- طيب هاتي سندوتش ليا بقى!
ضحكت ومدت يدها لي به، فضحكت ورحت أواصل محاولات إقناعها بأن تأكل.. بعد ان ضحكنا قليلا بدأت تأكل فعلا.. كأنها اعتادت ألا تأكل إلا بعد أن يُقال لها.. أو لعلها لم تعتد أن تأكل وهي وحيدة..
***
بعد أيام أصبحت أعتاد أن أبحث عن يارا في الفناء وأنا ذاهب لأصلي، فأجدها تجري وتتقافز في مرح وانطلاق في الفناء، ثم تتوقف وتعود لتجري في اتجاه آخر، وكأنها لا تدري إلى أي اتجاه تنطلق، وهي تمسك بيدها سندوتشا، وبيدها الأخرى كيس السندوتشات.. لكن وحدها أيضا..
أناديها فتجري إليّ مسرعة، فأحملها خطفا من الأرض، وهي تقهقه فرحة، ثم أنزلها وأنزل نصف جالس بجانبها لأسألها عن فصلها ومدرّستها والمدرسة...
***
عندما تركت المدرسة في العام الدراسي نفسه كنت مقتنعا تماما بذلك، فمن العبث أن أستمر في العمل هنا بمائة وأربعين جنيه شهريا دون دروس خصوصية، خاصة أنني تحمست كثيرا للوظيفة الجديدة التي وجدتها.. لكنني عندما أتذكر يارا أعرف أنني خسرت كثيرا...

٢٠٠٩-١١-١٤

تذاكر مصر والجزائر.. والأواني المستطرقة!

الفساد في بلدي في كل مكان.. ينتشر.. يتوغل.. يتسرب.. ويقتل.. ويستمر.. ويستمر.. ويستمر!
إنها نظرية الأواني المستطرقة.. لاشيء ينجو من العدوى.. حتى كرة القدم، وفي مثل هذا الحدث المهم، تجد من لا يترك الفرصة دون أن يستغلها لنفسه.. هذا تقرير كتبه شقيقي (محمود عبد العاطي) للمدونة عما حدث في عملية بيع تذاكر المباراة:

مهزلة تذاكر مباراة مصر والجزائر

في البداية كنت متأكداَ من حدوث أزمة في هذه المباراة لأن عدد التذاكر المطروحة للجمهور المصري 63900 تذكرة فقط، بينما الجمهور الذي يريد التذاكر يفوق عدده الملايين ولكن لو حدثت الأزمة لهذا السبب فحسب لما غضب أحد، ولكن عندما ترى السوق السوداء من المسئولين فهذا هو الفساد بعينه.
في أول أيام بيع التذاكر وفي عدد من المنافذ، كان منفذ نادي الأهلي مدينة نصر تقريبًا هو المنفذ الوحيد المنظم نوعًا ما ولم يؤخذ شيء على مسئوليه ولم يدانوا في السوق السوداء، كانت عملية البيع فقط بطيئة وحدثت الكثير من الصراعات بين الجمهور والأمن!
أما في نادي الزمالك بميت عقبة فكان الفساد بعينه، الطابور الذي يتعدي عدده الآلاف ينتهي بشباك يبيع التذكرة المسعر ثمنها 15 جنيهًا ب 35 جنيهًا، هذا لو استطعت الوصول للشباك من الأساس، وطبعا لم تستمر هذه العملية سوى ساعة أو أقل وتم إعلان إنتهاء التذاكر!
بينما في الداخل وصلت التذاكر لمدير عام النادي علاء مقلد، فأخذ منها ما يريد وأعلن أن التذاكر ستطرح في السوق السوداء عيني عينك وبدأ الضباط بيع تذكرة الدرجة التالتة ب150 جنيه داخل نادي الزمالك!
أما في نادي 6 أكتوبر، فلم يتم بيع سوى 100 تذكرة برغم أن العدد المعلن طرحه 4000 تذكرة، وهذا لأن مندوب الاتحاد باع باقي التذاكر في السوق السوداء!
والتذاكر في السوق السوداء يتراوح سعرها بين 150 و200 ج، وقد تصل إلي 120 جنيها إذا كان حظك مع بائع كريم! (والحديث هنا عن التذكرة فئة 15 جنيه فقط)!


٢٠٠٩-١١-٠١

استراتيجية كشكول التحضير..!

كنت قد كتبت منذ فترة طويلة هذه التدوينة، ومنذ أيام جاءني تعليق من الأستاذة (غزالة) - وهي أستاذة بمعهد الوفاء الأزهري - مما استفزني لكتابة هذه التدوينة:
تركت العمل في المدرسة الإعدادية، وانتقلت للعمل بالتدريس للأجانب..
لكنني الآن أفتقد تلاميذي الصغار.. أبنائي دون مبالغة.
لماذا تركتهم إذن؟
من العبث أن تعمل وأنت غير مقتنع بجدوى لما تفعله.. تخيل أن كل مدرس في المدارس الحكومية مطالب بأن يكتب "تحضير الدرس" في
دفتر التحضير، بواقع صفحتين لكل حصة يدخلها، وهي من 6 إلى 8 حصص يوميا.. لماذ يكتب كل هذا؟ نظريا لأن هذه هي "خطة الدرس"
التي سيسير عليها في الفصل، لكنه - عمليا - يعمل بالطريقة التي اعتاد عليها منذ تخرج وعمل بالتدريس.. النتيجة أن هذا أصبح مجرد عبء وروتين لا جدوى له، ويلجأ معظم المدرسين إلى نقل التحضير من الدفاتر القديمة..
أذكر أنني - في أول احتكاك لي مع موجه لغة عربية - ناقشته في طريقة كتابة تحضير الدرس، لأنه اعترض على طريقتي، وخصوصا صياغة الأهداف، واكتشتفت أن الرجل لا يعرف أصلا الأسس الصحيحة لكتابة الأهداف، وأنه (حافظها كده!).
كانت مسألة تحضير الدرس هذه أزمة بالنسبة لي في البداية، لأنني كنت أتبع الطريق النظرية التي تعلمتها، وكنت - بسذاجة مفرطة -أنوي التدريس باستخدام الاستراتيجيات الحديثة التي تعلمتها، فكان هذا يتطلب وقتا وجهدا للتحضير للدرس.. لكن تزمت النظام المدرسي والإداري في مسألة كتابة تحضير الدرس في دفتر التحضير كان مشكلة..
حاولت إقناعهم أنه من العبث أن نصر على هذه الطريقة، بينما لدينا أجهزة كمبيوتر، نستطيع تحضير دروسنا من خلاله، فنستفيد من أعمالنا السابقة ومن أعمال الآخرين، فنأخذ ما يناسبنا ونطوره و...
لكن يبدو أن هذا كان أكثر مما يحتمله تفكير مدير مدرسة مصرية تقليدية..
طبعا اضطررت إلى مجاراتهم، ونسخ التحضير كيفما اتفق، وإن لم أتخل تماما عن طريقتي..
أعتقد أنها كانت تجربة ناجحة، لكنها لم تكن لتستمر وأنا أتقاضى 140 جنيها شهريا ولا أعطي دروسا خصوصية..
أما عن تلاميذي / أبنائي.. فهذه تدوينة أخرى..

٢٠٠٩-٠٢-٠٩

أنا مصري.. خائن

زيارة ليفني إلى مصر، ثم بدء الهجوم على غزة.. كان الضرب مستمرا، والفتنة قد بدأت..

أجلس أمام جهازي أتصفح الأخبار غالبا، وفي الخلفية يعمل برنامج "سكايب"، حينما وجدت طلب إضافة من شخص لا أعرفه..

فتحت ملفه الشخصي لأعرف من هو، فوجدته شابا من دولة عربية ما.. لم ينتظر حتى أقبل الإضافة، ووجدته يتصل بي صوتيا على "سكايب".. ضغطت زر فتح المكالمة، ورحت أبحث عن الميكروفون..

رحت أبحث، بينما هو يتكلم:

- "آلو.. آلو.. رد.. رد.. ما ترد يا مصري يا خاين!"..!

أظن أن هذا أسوأ ما حدث لنا – نحن العرب – منذ بداية النكبة، وحتى الآن.

٢٠٠٨-٠٦-٢٧

هات "وان" جنيه..!

في فلوكة في النيل كنت مع مجموعة طلاب أمريكيين.. جاءت بنت صغيرة تبيع الزهور.. يبدو أنها اعتادت بيعها "للحبيبة".. عرضت زهورها عليهم لكنهم لم يشتروا شيئا.. اقتربت من شاب امريكي يجلس بجانبي، وانتقلت إلى الخطة البديلة المعتادة:

- طب هات جنيه!

كان مستواه في العربية ضعيفا نوعا، لكنه فهم.. ضحك، ولم يعرف كيف يجيبها.. ألحت هي:

- هات "وان" جنيه..!

تدخلت برفق:

- خلاص يا بنتي.. هو مش عايز يشتري!

قالت لي:

طيب هيّ اسمها ايه عندهم؟

- هيّ إيه؟

- يعني بيقولوها إزاي؟

- أيوة.. اللي هي إيه يعني؟

- يعني بيسموها إيه في بلدهم؟

- أيوة يا بنتي.. اللي هي إيه عندنا؟

- يعني الجنيه عندهم اسمه إيه؟

ضحكت وقد فهمت اخيرا:

- آآآآآه.. تقصدي العملة.. عندهم اسمه دولار!

التفتت إليه قائلة:

- طب هات "وان دولار"..!

- ............ (يضحك فحسب)..

- طب هات "وان دولار".. يارب تتجوز البنت الحلوة دي (قالتها وهي تشير إلى طالبة أمريكية قريبة..)..

الولد كان "سخسخ" تماما.. نسى نفسه وقال لها بالإنجليزية:

- أنا لا أنوي "مواعدة / date" أية فتاة من هؤلاء..!

أوضحت له:

- هي لا تتكلم عن "مواعدة" هي تتمنى لك الزواج فورا!

"ازبهل" الفتى، ولسان حاله يقول (وكمان جواز؟!)..

كلمت البنت بجدية، وكأنها شخص كبير:

- يابنتي خلاص.. هو مش هايشتري.. لو كان هايشتري كان هايدفع.. هو مش هايشتري، يبقى هايدفع ليه؟

رمقتني بنظرة متفحصة، ثم التفتت إليه بـ"تناكة" وقالت:

- يعني "نو"؟

أشار إليها أن "نعم".. فانصرفت بلامبالاة...

٢٠٠٨-٠٦-١٠

كنتاكي لأحباب الريس.. أهلا يا ريس!

أخي طالب في كلية بمدينة السادات.. يوم الإضراب الثاني (4 مايو 2008) كان يوم امتحان أعمال سنة له ولزملائه.. و... هذه حكايته (كما رواها لي) في هذا اليوم:

الريس النهاردة الصبح كان فى مدينة السادات.. ولمن لا يعرف فمدينة السادات هى دائرة أحمد عز!

كان الريس رايح مصانع هناك لعمال والكلام ده...

رايحين الصبح عادى فى الأتوبيس.. عندنا بحث لازم يتناقش الساعة 11.. فجأة، قبل سجن 440 (لو حد يعرفه) لقينا الأتوبيس وقف.. قالوا كله ينزل ولجنة شرطة بتقول كله يكمل مَشْيْ..!

مشي إيه يا جماعة؟ الجو شمس وعندنا امتحانات؟!

قالوا هوّ كده!

رحنا سألنا واحد ضابط: هو إيه الموضوع؟

قال: أصل الريس جاى!

يا أهلا يا ريس!!

فضلنا ماشيين حوالي نص ساعة فى الشمس كده، لحد ما وصلنا للمصانع.. قلنا يااه.. خلاص قربنا نوصل الكلية أهو.. لقينا المفاجأة بقى.. ممنوع تتحرك متر تاني!

لو عايز ترجع مش هترجع!.. لو عايز تروح كليتك مش هتروح!

طب يا باشا عندنا امتحان والله!

قالك لما الريس ييجى ويعدي ممكن تمشوا!

يا أهلا بيك يا ريس!!

فضلنا ساعتين قاعدين فى الشمس..

ولكم أن تتخيلوا ما يقرب من 100 طالب - شباب وبنات – قاعدين على الأرض في الشمس الحارقة فى الصحراء.. ويا ريت جت على ساعتين!

طبعا كل شوية عربيات ملاكي تعدي.. نوع من التمويه تقريبا..

الحكومة موزعة أعلام وصور عليها صور الريس، ومكتوب على بعضها كل سنة وأنت طيب يا ريس (كان يوم الإضراب هو يوم عيد ميلاد الريس لو تفتكروا)!

ويفط فى المدينة بقى، والحاجات اللى انتوا عارفينها دي!

لحد ما لقينا الموكب جاى.. وجاء الريس، وأشار لنا إشارته المعهودة، باعتبارنا شعبه الحبيب الذي يتحمل شمس الظهيرة الحارقة عن طيب خاطر، بس عشان نفوز بإشارة من يده!

وقبل عربية الريس كان فيه عربية نصف نقل وفيها واحد كده ببدلة وماسك كاميرا وعمال يشاور للناس بتوعهم عشان يهيصوا ويعملوا منظر بالأعلام والصور، وهو يصور طبعا.. لزوم الحاجات اللى بتيجي فى التلفزيون!

ودخل الريس المصانع..

نمشي بقى يا بشوات؟

لا.. مش دلوقتي... لما الريس يخرج!

يا سيدي عندنا امتحانات وغلاوة الريس!

قالك الأوامر كده!

يا أهلا بيك يا ريس!!

ساعتين كمان فى الشمس ما اختلفوش كتير عن اللى قبلهم..

لحد ما رجع الريس ومشي الريس.. وقتها سابونا نمشي أخيرا.. لكن مشونا فى طريق إجباري بعيد عن الكلية.. لفينا المدينة كلها مشي على رجلينا.. ما هو مفيش أي وسيلة مواصلات.. طبعا البنات اللي كانوا معانا كانوا خلاص بيموتوا من التعب.. وصلنا الكلية أخيرا (مشي برضه)، (والامتحان مع السلامة طبعا) وروحنا ندور على الدكتور عشان نحكيله ظروفنا، وإحنا بندعي ربنا إنه يصدقنا..

هذه حكاية أخي كما رواها لي.. جارنا بقى (عامل بسيط في شركة ما) روى لنا أنه "اتزبّط" في هذا اليوم.. كيف؟

أخذوه مع "الهتّيفة".. المهمة بسيطة: تجمهر لتحية الريس وقت مروره.. والمقابل؟

خمسون جنيها ووجبة كاملة لكل فرد من كنتاكي..

طبعا وافق بحماس.. فما أيسر الهتاف.. وما أصعب الحصول على خمسين جنيه هذه الأيام، دعك من وجبة كنتاكي التي يسمع أنها كانت طعام الجيش الأمريكي في العراق...

٢٠٠٨-٠٣-٠٧

حين يفقد المجاز معناه...

هل سمعتم عن حادثة حلوان البلد؟

حسنا.. لقد ارتفع عدد القتلى بعدها إلى 4، حيث مات اثنان ممن كانوا في العناية المركزة..

الأسباب المذكورة في المصري اليوم ليست دقيقة.. المشكلة بدأت واشتعلت في طابور العيش!

أنا لم أر الواقعة بعيني، لكنني أقيم في حلوان، والذين شاهدوا الواقعة هنا كثيرون.. على خلفية عداوة سابقة بين عائلتين كبيرتين، في طابور العيش كان البائع يحابي بعض الناس على حساب الآخرين.. ومن هنا بدأت المشكلة التي وصلت إلى إطلاق النار في الهواء، والرد لى ذلك بـ"الضرب في المليان"..

في بلادي يتحول المجاز إلى حقيقة..

في بلادي كان الناس يقولون "الطابور زحمة.. ضرب نار" للدلالة على شدة التزاحم في الطابور..

اليوم هاهو ضرب نار حقيقي.. في طابور العيش..

في بلادي كان الناس يقولون "الناس بتموّت بعضيها عشان رغيف العيش".. للدلالة على تزاحم الناس من أجل الرزق..

اليوم ها هم في حلوان البلد أربعة من القتلى.. في طابور العيش..

في بلادي يقول الناس "الناس بتاكل بعضيها".. وغدا.. ربنا يستر.. إذا لم نجد حتى طابور العيش...