2010-05-18

بعد إذنك..!

هل يفهم أحد في هذا البلد حقا معنى كلمة "بعد إذنك" التي يرددونها طوال اليوم؟
أشك!
كنت المقهى مع صديقي "رأفت"، ومعه كتاب ما تركه على الطاولة أمامنا، عندما تقدم أحدهم وقد لمح الكتاب، فمد يده وتناول الكتاب، ثم قال لرأفت ويده ما زالت ممدودة - قال يعني لم يأخذ الكتاب بعد!
- : "بعد إذنك.. ممكن أشوفه؟"!
لم يرد عليه رأفت مباشرة، وظل يحدق فيه وهو هذا الوضع "المؤقت" يمسك بالكتاب بيد ممدودة، وينتظر الإذن كزيادة تأكيد فيما يبدو.. بعد فترة قال رأفت ببساطة: لأ..!
- نعم؟!
- باقول لحضرتك لأ!
- ده أنا باقولك بعد إذنك!
- ما أنا عارف!.. وأنا باقولك لأ.. ما أذنتش يعني!
كان الأخ من الجرأة - لعلها بجاحة - بحيث يستمر في الجدال والتعبير عن دهشته واستنكاره للرفض، الأمر الذي اضطره للعودة بيده مرة أخرى، وإعادة الكتاب إلى موضعه..
البعيد لا يفهم معنى كلمة "بعد إذنك"، ولا يدرك معنى أن تطلب شيئا قد يُقبل أو يرفض..
لماذا؟
هل لأنه من المعتاد أن يقبل الناس مثل هذه الطلبات؟
لماذا؟
كرم؟ شهامة؟
وهل كون الإنسان كريما يسلبه حقه في الاختيار ما بين القبول أو الرفض؟
هل أصبحت مجبرا أن ألبي أي طلب من أي شخص لمجرد أنه سبقه بكلمة "بعد إذنك"؟
يا أخي إن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام.. وكلمة "بعد إذنك" لم تسلبني حقي في القبول أو الرفض..
ألا نفهم معنى "حق"؟
معنى أن يتمسك شخص بحقه لا لأنه يحتاجه أو لأنه بخيل، وإنما لأنه يأبى التنازل عن حقه..
في الميكروباص أحب أن أجلس على الأريكة الخلفية، إلى اليمين بجوار النافذة، فتأتي تلك الفتاة لتقول بصيغة تنبيه - وليس بصيعة طلب - وها نافدة الصبر بأن أترك مكاني لها، وأجلس في الوسط.. فال يعني حتى لا تجلس بين رجلين.. طيب.. ما مشكلتي أنا؟
ما زال بإمكانها أن تجلس على أحد المقاعد الأمامية، أو تنتظر الميكروباص التالي، أو حتى تشرب سبرايت.. ما شأني أنا؟ هل أنا مضطر لتلبية أمر الأخت؟
من "حقي" أم أقبل وأترك بها مكاني مشكورا، ومن حقي أيضا أن أرفض دون أن أضطر للتبرير.. وهذا ما أفعله عندما أجدها "تنبهني" وكأنني أحتل مقعدها الذي أخذته قانون جديد، وتهم بالجلوس.. فأقول أنا بالبرود المناسب: لا!
طبعا تعرفون ما سيحدث:
- يا أخي دي بتقولك بعد إذنك!
يا دي المصيبة!
- شباب اليومين دول...!
- لو أختك.. ترضى...إلخ..
ألم يعد هناك اعتراف أصلا بفكرة الحقوق؟
شيء مستفز!
ليس حق أحد أن يلومني أصلا، كما أنه ليس من حق أحد أن يسألني لماذا لم أتبرع بالدم مثلا، أو لماذا لم أصلّ سنّة المغرب.. يا أخي هذا تطوع.. الله لن يحاسبني عليها، أفتحاسبني أنت؟!
أنا لا أرفض مساعدة الآخرين بالطبع، لكننا لم نعد نفهم لماذا نفعل هذا؟
أو تظن أن الله سيثيبك إذا كنت تفعل الخير لأنك مجبر على فعله؟
هل أصبح العقل "زينة" فعلا؟
منظر يعني، بلا استخدام حقيقي..؟

م