٢٠١٠-٠٥-٠٨

دعوة: معرض ورشة الكاريكاتير


أدعوكم جميعا لتشريفنا بحضور معرض حصاد ورشة الكاريكاتير للفنان عمرو سليم، يوم الخميس القادم 13 مايو، 2010 من 05:00 مساءً - 10:00 مساءً، بمكتبة عرابي بالمهندسين. 
سيتم عرض أعمال المشاركين في الورشة، وذلك بحضور عدد من رسامي الكاريكاتير.
العنوان: برج عرابي، 23 أ ش أحمد عرابي - الدور الأول - بجوار برج نهضة مصر.
سيكون لي في المعرض عدد من الرسوم إن شاء الله.
المعرض لمدة يوم واحد. وهذا رابط المعرض على الفيس بوك.
الدعوة عامة. أنتظر حضوركم جميعا :)

٢٠١٠-٠٥-٠٧

من ورشة الكاريكاتير

ورشة كاريكاتير حضرتها لمدة شهرين مع الفنان الجميل عمرو سليم في ساقية الصاوي.
الفيديو الآتي من الورشة، منشور على موقع المصري اليوم الجديد.. ستلاحظون في الفيديو في بعض اللقطات السبورة ممتلئة برسومات كثيرة لقطط مختلفة.. كان هذا تدريبا أراد الأستاذ عمرو منه أن يشعرنا بمعنى أن يكون لكل منا أسلوبه الخاص. في الرسم.. وعندما رسم كل منا قطة على السبورة كانت النتيجة أن كل القطط مختلفة.. كل منا رسم قطته الخاصة.
شاهدوا الفيديو وخمنوا.. أين قطتي؟! :D

٢٠١٠-٠٥-٠٦

الغربال



يقولون أن "اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى".. لكني أرفض هذا المثل.. أنا لا أرى من الغربال، ليس لأنني أعمى، ولكن لأني أهتم برؤيية الغربال نفسه عادة!

٢٠١٠-٠٥-٠٥

أخطر ثغرة في التعليم المصري



التعليم الحكومي في مصر يبدأ بثغرة في تعليم اللغة العربية، قد تبدو بسيطة، لكنها تنتج متعلما لا يجيد القراءة أصلا!
تعلم اللغة العربية يجب ان يبدأ بتعلم الحروف الهجائية (قراءة وكتابة وصوتا)، والأهم بعد بعد ذلك تعلم الحركات.
الحركات في اللغة العربية ليست هي الحركات البسيطة مثل اللاتينية.. هل تعرف أن الحركات في اللغة العربية ثلاث عشرة حركة؟!
أي أن الحرف الواحد يمكن أن ينطق بثلاث عشرة طريقة:
الفتحة، الكسرة، الضمة، السكون، الشدة، تنوين الفتح، تنوين الكسر، تنوين الضم، الفتحة مع الشدة، الكسرة مع الشدة، الضمة مع الشدة، تنوين الفتح مع الشدة، تنوين الكسر مع الشدة، تنوين الضم مع الشدة.
لسبب ما سقطت هذه النقطة من تعليم القراءة في المدارس المصرية، سهوا أو عمدا، ليبقى مكانها خاليا كفجوة مشوهة في أساس مبنى كبير، قد يسقط تماما بدون هذا الحجر الصغير..
ربما اعتمدوا على أن الطفل سيتعلم الحروف والحركات في مرحلة الروضة، وهو ما لا يحدث إلا في مدارس اللغات، وهي ليست بخيار وارد أصلا بالنسبة لأسرة مصرية عادية.
للأمانة أقول إن المناهج لا تخلو تماما من هذه الحركات، لكنها موزعة على دروس أولى وثانية، وربما ثالثة ابتدائي أيضا، وهذه استراتيجية جيدة، تهدف إلى تعليم الحركات من خلال الكلمات، وتقوم على نظرية من نظريات علم نفس التعلم، مفادها أن الإنسان يتعلم الجزء من خلال الكل بشكل أفضل.. جميل.. لكن المدرس - وكذلك أولياء الأمور - لا يدركون أن الهدف من هذه الدروس هو تعليم الحركات وليس مجرد تحفيظ كلمات. والنتيجة أنهم يعلمون الطفل ما يظنون أنه الهدف: حفظ كلمات جديدة وكتابتها..
 كريم كان تلميذا عندي، في الصف الثاني الإعدادي للمرة الثانية، لكن أباه يظنه في الصف الثالث، وأمه تخفي عنه ذلك بالاتفاق مع إدارة المدرسة، لأنه - أباه - "شديد" ولو عرف بهذه المصيبة لربما قتله!
بعد ملاحظتي لكريم، وجدت أنه أميّ تماما..
في الصف الثاني الإعدادي ولا يستطيع قراءة اسمه.. لكنه يحفظه فحسب!
أخبرت أمه أنه لن يستوعب شيئا من منهج ثانية إعدادي، ولا مفر من بداية تعليمه القراءة والكتابة..
كريم ليس حالة نادرة، بل هو نموذج شائع جدا.. كثير منهم يحصل على الشهادة الإعدادية وهو مازال أميا..
أين مدرسو اللغة العربية من هذا؟
مدرس الفصل لا يجد حيلة معه، بعضهم يحاول عمل مجموعات تقوية لمثل هؤلاء، لكن هذا لا يفلح غالبا، لأن الطفل يكون قد فقد الرغبة في التعلم منذ زمن، ويكون ماهرا في التملص من كل أنشطة التعلم..
المشكلة الأكبر ان المدرس نفسه قد يكون "فاقدا للشيء".. فكيف سيعطيه؟!
في كلية التربية - حيث درست - بقسم اللغة العربية، درسنا "علم العروض"، الذي يبحث في موسيقى الشعر.. علم العروض يعتمد بشكل أساسي على تحويل كل حروف اللغة إلى حركات وسكنات فحسب، اعتمادا على حركت النطق.. الموضوع يعتمد بشكل أساسي على الحركات.. هذا شيء بديهي!
اكتشفت أن أكثر من تسعين بالمائة من زملائي لا يجيدون التعامل مع الحركات.. عندما تسمع كلمة ما مثل: "تقدمٌ" من البديهي أن تدرك - بمجرد السمع - أن الدال تُنطق بشَدة وضمة.. هذه مهارة يتدرب عليها الطفل منذ حداثته.. حسنا.. لم أجد أحدهم يفهم شيئا من هذا!
كانت هذه المادة كارثة بالنسبة للجميع تقريبا، ماعدا العبد لله (تعلمت القراءة في الكتّاب)، وصديقي الفلسطيني سائد (دراسته كانت في فلسطين، وكان ماهرا حقا، وأربع أو خمس من زملائنا من محافظات أخرى، كلهم يحفظون القرآن الكريم، وزميلتنا المنتقبة "أم ياسر"..
لك أن تتخيل أنني كنت أعد جلسات لزملائي لأدربهم على الحركات ونطقها وتمييزها اعتمادا على منهج كتاب المطالعة الأولية القديم (الذي نعرفه في مصر باسم "كتاب وزن")!
كثير من مدرسي اللغة العربية من جيلي الذين عرفتهم في مدارس مختلفة كانوا يعانون من ضعف واضح في هذه النقطة.. لكن المدرس يمر بمراحل عميقة في دراسة علوم اللغة العربية، فيسد هذه الثغرة، لكن دون وعي منه، فيبقى جاهلا بأهميتها..
الحركات ليست مجرد درس سقط سهوا، وإنما هي حجر أساس مفقود، في بناء لن يكون بدونه إلا ضعيفا واهيا..
في تجربتي في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الأكاديمية العربية، نستخدم منهجا متدرجا لتعليم الحروف والحركات بالمبدإ نفسه الذي كان يُستخدم في "كتاب وزن"، بعد تطويره طبعا ليناسب الاستراتيجيات التعليمية الأحدث..
كنت أواجه صعوبات ومشكلات في تعليم الطلاب هذه المرحلة (مرحلة الحروف والحركات)، مثل صعوبة نطق بعض الأصوات العربية كالحاء والعين والضاد، وصعوبة التفرقة بين بعض الحروف التي تبدو في سمع الطالب الأجنبي متشابهة، مثل الحاء والهاء، والكاف والقاف، والسين والصاد.. إلخ.. كل هذه صعوبات متوقعة ولا نتوقع التغلب عليها بنسبة كافية في هذه المرحلة، ولا نتركها تبطئ من سرعة عملية التعليم.. لكن أية عقبات تواجهني في إدراك واستيعاب الحركات ونطقها والفروق بينها تعني أنني يجب أن أتوقف هنا.. هذه أشياء لا يمكن تجاوزها.. هي ليست مجرد معلومات يجب أن "يعرفها" الطالب.. هذه "مهارات" يجب أن يجيدها، حتى يمارسها بعد ذلك بالبديهة..
أشياء كهذه يفتقدها أغلب خريجي المدارس الحكومية الذين اعتمدوا تماما على تعليم المدرسة، ولم يجدوا من يسد الثغرة.. والنتيجة أن لدينا الآن أجيالا من المدرسين والمحامين والصحفيين والإعلاميين لا يجيدون القراءة باللغة العربية..
كان أستاذي العظيم "د. زكريا توفيق" يدرّس لنا علم الأدب الأندلسي في الجامعة، وكان يطلب من بعض الطلاب أن يقرأوا بعض المقاطع من الكتاب جهريا، فكان يقول لهم "انتو ما بتعرفوش تقروا"!.. وقضى الرجل الفصل الدراسي يعلمنا القراءة والأدب الأندلسي - على التوازي - لأن ضميره لم يسمح له بالتغاضي عن جيل سيخرج من تحت يده ليدرّس اللغة العربية للأطفال وهو لا يجيد القراءة!
لكن أغلب الزملاء لم يكن يهتم إلا بما سيأتي في الامتحان، فلم يستفيدوا منه شيئا.. دعك من الآلاف الذين يتخرجون من كليات التربية سنويا، دون أن يجدوا أستاذا مثل د. زكريا توفيق..
إنهم كثيرون حقا.. إنهم حولنا في كل مكان، يدرّسون اللغة العربية، ويوحون لك بأنهم جهابذة اللغة، وهم لا يفوقونك - أنت غير المتخصص - إلا بأنهم صاروا "يحفظون" قواعد النحو الأساسية التي يدرّسونها لطلابهم، بينما أنت لا تملك إلا أن تصدقهم ولا تملك أن توقن من شيء، لأن مصيبتك أكبر طبعا.. 
لو درست أنا اللغة اليابانية لشهر واحد، وأنت لا تفقه شيئا عنها، فمن السهل علي أن أوهمك أنني أجيد اليابانية كأنني ولدت في اليابان، وربما أقنعتك أيضا أنني أجيد الصينية والكورية كذلك، لأنك على الأرجح لن تفهم الفروق بينها! 
هذه الكارثة ليست في كليات التربية فحسب طبعا، فنظرية الأواني المستطرقة لا ترحم أحدا، والمجاري الطافحة - حفظكم الله - تتسرب إلى كل شيء، ولا تستثني شيئا، إلا من رحم ربي، ممن فاق ذكاؤهم أعمارهم، أو نشأوا في بيئة نجحت لسبب ما في سد الثغرة.. 
الحل الأسهل في رأيي - وأنا لا أمزح هنا - هو إعادة تدريس "كتاب وزن" في المرحلة الابتدائية، وتدريسه أيضا للفرقة الأولى من أقسام اللغة العربية في الجامعات على سبيل الاحتياط!

٢٠١٠-٠٥-٠٤

وعايز تتعين؟

قال المعيد السابق لي: نافقه..!
كان يتحدث عن العميد الجديد لكلية التربية في جامعتي، وكان الأساتذة قد أقاموا له حفل تكريم - قال يعني! - حتى نعبر له عن ترحيبنا وسعادتنا بقدومه عميدا للكلية..
ولأنني كنت أول دفعتي، وبالتالي كنت مرشحا لتعييني معيدا في الكلية - وكان ذلك في الفصل الدراسي الثاني من العام الأخير - فقد كلفني الأساتذة بأن ألقي كلمة ترحيب بسيادته، وأنا أقدم له الهدية التي سنحضرها نحن طلاب قسم اللغة العربية.. طيب الهدية وعرفنا كيف سأقدمها.. لكن كلمة؟!
ماذا أقول بالضبط يعني؟
هكذا سألت المعيد - الذي يسبقني بدفعتين:
- ماذا أقول له بالضبط؟ لم أفهم ما المطلوب مني!
قال لي كلاما كثيرا لا أذكره، ولم أفهمه وقتها، ويبدو أنه كان يتوقع مني أن أقرأ ما بين السطور، أو أفهم تلميحاته، وهو ما أفشل فيه دوما، فقلت له بالتناحة المناسبة:
- مش فاهم!
قال لي:
- من الآخر.. نافقه..!
صُدمت.. ببساطة لأنني لم أتصور أن هذا الكلام يقال هكذا صراحة، كنت أظن أن من ينافق يسمي هذا ذوقا أو شياكة أو حتى مجاراة للواقع..
ماذا أفعل في موقف كهذا؟
لا لم أتخذ موقفا ثوريا، ولم تأخذني الجلالة وأقول لن أنافق.. إلخ..
فقط حاولت أن أقول كلمة مجاملة، لكنني فشلت.. لم أفهم أنهم لا يريدون مجاملة.. إنهم ينتظرون مني أن أكذب هكذا بكل بجاحة على رؤوس الأشهاد، وأعدد في مناقب الباشا كأنه شاهبندر التجار الجديد.. لم أفهم هذا وقتها والحمد لله، والله أعلم ماذا كنت سأفعل لو كنت فهمت.. أنا لا أريد أن أعرف!
المهم أن الرجل كان جديدا في كليتنا، ولم نكن نعرف عنه شيئا يُذكر، فلم أستطع أن أرحب به إلا بعبارة بسيطة قلتها في أقل من عشرة ثوان، مفادها أننا نرحب به، ونتمنى له أن يرتفع بمستوى الكلية.. إلخ..
بعدها فوجئت بزملائي - أوائل الأقسام الأخرى من الكلية الذين تقدموا بعدي ليرحبوا به بالمثل - فوجئت بهم يدخلون بصفحات يفردونها ويقرأون منها.. أولهم - المفتري! - أخرج ثلاثة ورقات "A4" وشرع يقرأ منها، بدأها بقصيدة كتبها بسلامته في العميد الجديد.. يا نهار
إسود! هي حصّلت؟!
هل تذكرون موقفا مشابها في فيلم "مراتي مدير عام"؟
وجاء التالي والذي يليه بالقصائد والخطب العصماء، بينما أنا - ممثل قسم اللغة العربية - أقف متضائلا في جانب، وأزداد تضاؤلا في عيون الأساتذة كلما أبدع الزملاء وأطالوا وتفننوا في مديح سيادته.. أما أنا فكنت أحاول أن أفهم ماذا يحدث بالضبط؟ لم يقل لي أحدهم مثلا أنني يجب أن اجهز ورقة لأقرأ منها.. لعلهم يعدون ذلك بديهيا! ولو قالوا لي، هل كنت سأفعل؟
بعدها قال لي المعيد ونحن خارجين من القاعة موبخا: 
- وعايز تتعين؟!
انتهى العام الدراسي، واستطعت الحفاظ على تقدير امتياز، وفزت بلقب الطالب المثالي في الجامعة، وظننت - وظن الكثيرون كذلك - أنني سأعين لا محالة، لكنني لم أُعين.. لا أعرف السبب بالضبط، ولست متأكدا إن كان هذا له علاقة بواقعة حفل التكريم أم لا.. لكنهم قالوا لي أنني لن أعين لأنهم لن يأخذوا معيدين هذا العام من قسم اللغة العربية، وسيأخذوا من أقسام أخرى.. وقال لي زملائي بعدها أن فلانة التي عُينت من قسم رياض الأطفال أخوها معيد قديم هنا، وأنها كانت تجلس معه دائما وسط أعضاء هيئة التدريس كأنها منهم، وهي ما زالت طالبة.. لكنني لست متأكدا من شيء..
الجميل في الأمر أنني راض تماما بما حدث، ولو كنت علمت الغيب وقتها لاخترت هذا الواقع نفسه...

٢٠١٠-٠٥-٠٣

يارا



اسمها يارا..
كنت مدرسا للمرحلة الإعدادية في مدرسة روضة/ ابتدائي/ إعدادي خاصة. وكنت أمشي في الممرات بين الفصول، عندما وجدت (ميس شيماء) مدرّسة الكي جي تقف أمام فصلها تبحث عمن ينجدها.. كانت طفلة من فصلها تبكي بحرقة، ولم تفلح في إقناعها بالتوقف عن البكاء..
سألتها عما بها، فأخبرتني أنها لا تريد أن تمكث في الفصل، و"عايزة تروح لماما"!
- أختها في سنة رابعة.. ممكن توديهالها يمكن تهديها شوية؟ عشان أنا مش هينفع أسيب الفصل.
نزلت إليها نصف جالس، لأصبح في مستواها، وقلت لها بلهجة قد تبدو مضحكة لمن يسمعني:
- ايه مالك؟ بتعيطي ليه؟
- مش عايزة أقعد هنا.. عايزة ماما!
- مش عايزة تقعدي هنا ليه؟ ده الفصل جميل! طيب خلاص ما تعيطيش.. تيجي نروح لأختك؟
- آه..
هدأت قليلا وكفت عن البكاء عندما علمت أنها ستذهب لأختها، وإن لم تجف دموعها بعد..
- هي اسمها إيه؟
- سارة.
- وانتي اسمك إيه؟
- يارا!
ضحكت، وقلت لها مشاكسا:
- انتي سارة وهي يارة؟
قالت وقد انتابتها جدية مفاجئة وهي تصحح لي في:
- لأة! أنا يارة وهي سارة!
- طيب ما أنا فهمت.. انتي سارة وهي يارا!
أدركت أنني أداعبها، فضحكت واستمرت تصحح لي وقد أعجبتها لعبتي الساذجة:
- لأ باقولك.. أنا اللي يارا.. هي سارة!
- طيب يا سارة.. وأنا محمد!
ضحكت مرة أخرى.. لم تمل من اللعبة المكررة!
طفلة جميلة هي، "كلبوظة" قليلا، مريولتها جميلة مكوية بعناية، وشعرها مصفف بعناية كذلك، يعلو كل ضفيرة من ضفيرتيها شريط ملون جميل.. مظهرها ونظرتها البريئة الخائفة يوحيان بأن هذه أول مرة تبتعد فيها عن حضن أمها..
استأذنت مدرّس فصل سارة، فناداها لنا.. هرعت يارا إليها باكية من جديد..
تشبهها كثيرا.. نسخة منها أكبر سنا قليلا، مع بعض الثقة والشاوة التين تفتقدها يارا..
حاولت سارة طويلا أن تهدئ من روعها حتى كفت عن البكاء أخيرا..
بعد قليل ظللنا واقفين هكذا، وسارة تنظر إلي وهي ما زالت ممسكة بيدها، وتبتسم مرتبكة.. تريد أن تذهب إلى فصلها، لكن ماذا عن يارا؟!
- طيب.. روحي انتي فصلك..
لم تبكِ يارا.. اطمأننت إلى أنها هدأت أخيرا..
- تروحي الفصل بقى؟
- لأ.. أنا عايزة ماما..
وبكت من جديد!
- طيب خلاص خلاص.. ما تعيطيش.. بلاش الفصل.. تيجي نلعب؟!
- لأ.. مش عايزة ألعب!
كفت عن البكاء بعد قليل، لكن نظرتها الخائفة لم تفارقها.. وقفت أنظر إليها لا أدري ماذا أفعل.. هي لا تريد الفصل.. أظن أنها لم تعتد وجود كل هذا العدد من البشر، وأصابها الفزع من كل هؤلاء البشر!
لحسن الحظ لم يكن لديّ حصصا وقتها..
- ياللا ننزل تحت؟
تركت لي يدها مستسلمة، وراحت تنزل السلم معي درجة درجة كما يفعل الأطفال في سنها..
نزلنا إلى الفناء، واشتريت لها بعض البسكويت والحلوى، لكنها أبت أن تذوق شيئا منها، وإن بدأ الخوف يفارقها، ونست قليلا مشكلة الفصل والبكاء والعودة إلى ماما.
جاءت فسحة ابتدائي، وامتلأ الفناء بالتلاميذ الذين راحوا يهرولون في كل مكان، كأنهم حريصون على ملئ كل الفراغات في الفناء. وجاءت سارة.. تركت لها يارا وذهبت..
كان يجب أن أذهب لأصلي، وأواصل حصصي..
بعد حصتين، مررت على فصل يارا.. كان الباب مفتوحا، والميس تجلس على مقعدها المواجه للتلاميذ وقد أجلست يارا بجانبها، لكنها لم تكن تبكي...
***
في اليوم التالي انشغلت في حصصي من بداية اليوم، حتى فسحة ابتدائي، فنزلت لأتوضأ..
مررت بالفناء فوجدت الضجيج المعتاد لتلاميذ الابتدائي في الفسحة، وجدت شجارا فوقفت أفضه، وجاءت بنت من سنة ثالثة تشكو لي زميلتها التي دفعتها.. هكذا شرعت أحقق في الأمر وأقضي فيما بينهم، حتى لمحت يارا.. كانت جالسة على رصيف الفناء في ركن بعيد عن أماكن الشجار واللعب.. مستكينة هادئة شبه منكمشة، تمسك في يدها كيسا به سندوتشاتها لكنها لا تأكل..
ذهبت إليها فتهلل وجهها حين رأتني.. جلست بجانبها على الرصيف.
- إزيك يا يارا؟ مش بتاكلي أكلك ليه؟
- موش عايزة!
- ليه؟ موش عايزة ليه؟ لأ لازم تاكلي أكلك..
- لأ موش جعانة..
- طيب هاتي سندوتش ليا بقى!
ضحكت ومدت يدها لي به، فضحكت ورحت أواصل محاولات إقناعها بأن تأكل.. بعد ان ضحكنا قليلا بدأت تأكل فعلا.. كأنها اعتادت ألا تأكل إلا بعد أن يُقال لها.. أو لعلها لم تعتد أن تأكل وهي وحيدة..
***
بعد أيام أصبحت أعتاد أن أبحث عن يارا في الفناء وأنا ذاهب لأصلي، فأجدها تجري وتتقافز في مرح وانطلاق في الفناء، ثم تتوقف وتعود لتجري في اتجاه آخر، وكأنها لا تدري إلى أي اتجاه تنطلق، وهي تمسك بيدها سندوتشا، وبيدها الأخرى كيس السندوتشات.. لكن وحدها أيضا..
أناديها فتجري إليّ مسرعة، فأحملها خطفا من الأرض، وهي تقهقه فرحة، ثم أنزلها وأنزل نصف جالس بجانبها لأسألها عن فصلها ومدرّستها والمدرسة...
***
عندما تركت المدرسة في العام الدراسي نفسه كنت مقتنعا تماما بذلك، فمن العبث أن أستمر في العمل هنا بمائة وأربعين جنيه شهريا دون دروس خصوصية، خاصة أنني تحمست كثيرا للوظيفة الجديدة التي وجدتها.. لكنني عندما أتذكر يارا أعرف أنني خسرت كثيرا...

٢٠١٠-٠٥-٠٢

"التعلم النشط ينمي القدرة على التفكير"!


"التعلم النشط ينمي القدرة على التفكير"!
هكذا قرأتها على السور الخارجي لمدرسة ما. 
على السور الخارجي؟؟ لماذا؟ 
في رأيك ـ تفتكر يعني ـ لماذا؟
هل يريدون توعية الناس ـ وأنت منهم ـ بأهمية التعلم النشط؟
هذا احتمال بعيد، فحتى لو استوعب الناس كلهم أهمية التعلم النشط، أو أثره الرائع الرهيب الجامد اللى ما حصلش في تنمية التفكير، فإن هذا لن يصنع أي فارق، لأن الناس الذين يقرأون هذه الكلمات على السور ـ غالبًا ـ ليسوا مدرسين، وإلا فلماذا يمشون هنا بجوار السور ولم يدخلوا؟
لعلهم مدرسون لكن من مدرسة أخرى؟
صعب أن يكون هذا الكلام ـ على السور.. ركز معي ـ موجهًا لهم، لأن لهم مدرسة "تلمهم" وتتحمل مسئولية تعريفهم بحلاوة وجمال التعلم النشط..
قد يقول قائل: ربما كانت هذه العبارة ـ والعبارات الأخرى التي تجاوها، فالسور مليان عبارات ـ موجهة إلى التلاميذ؟
أقول له ـ هذا القائل يعني ـ لا يا سيد، هذا غير صحيح لسببين: الأول أن التلاميذ ليسوا مطالبين أصلاً بمعرفة الفرق بين التعلم النشط والتعلم اللى مش نشط، وإلا فما فائدة المعلم؟؟ والثاني أن التلاميذ يفترض أن يكونوا خلف الأسوار، وليس أمامها أم أن المدرسة تعرف أن العيال سيقفزون حتمًا من على السور وتريد أن تحرك فيهم الضمير النائم، بفرض أن العيال بعد القفز من على السور سينظرون خلفهم.. فربما تقع عين عيل منهم على الجملة إياها "التعلم النشط نمي القدرة على التفكير"، فيستيقظ ضميره إذ فجأة، فيتوقف وينتصب ألفًا ويزجر أصحابه ويطالبهم بالتراجع عن موضوع السينما والقفز مرة أخرى إلى داخل المدرسة، حتى يتعلموا تعلمًا نشطًا.
لو كانت إدارة المدرسة تقصد هذا، فلتسمح لي أن أقول لها "هع" لخيالها الواسع ليس إلا.
هكذا ترون معي أنني حاولت ـ والله حاولت ـ أن أجد سببًا لوجود هذه العبارات على السور الخارجي، فلم أجد سببًا تعليميًا أو تربويًا واحدًا..
لم يبق إلا أن المدرسة تريد أن تقول للناس ـ وأنت منهم ـ أنها تستخدم التعلم النشط لأنها تنمي القدرة على التفكير..
ولا تقل "وأنا مالي؟؟" لأن أنت لك..
دعاية يا سيد..
هات ابنك عندنا، بدلاً من المدرسة التانية التي ليست عندها تعلم نشط!

٢٠١٠-٠٥-٠١

30 يوم في الـ...!



ولماذا كان التوقف عن التدوين أصلا؟
لا بد أنكم مررتم بظروف مشابهة.
لا، ليس جفافا في الأفكار.. الأفكار كثيرة.. أشياء كثيرة أريد حقا أن أكتب عنها، لكنه الإرهاق ثم الانشغال ثم الكسل، وعندما أجد الوقت والبال الرائق أخيرا يكون القصور الذاتي، والأسوأ: صدأ العقل حفظكم الله..
ليس جفافا في الأفكار، بل ربما تخمة فيها غالبا، الأفكار تداهمك حتى تشعر أن الكلمات نفسها لم تعد تجدي..
فكرة داليا يونس جاءت بمثابة فرصة وحجة لي وعليّ: هل تريد حقا أن تستمر في التدوين/ الكتابة؟ كنت قد سألت نفسي هذا السؤال المكرر منذ فترة، وكانت الإجابة أخيرا: نعم. وكنت قد أجبت بلا على أسئلة أخرى بعد أن ازدحمت حياتي، حتى لم يعد لي أنا نفسي مكان فيها تقريبا، آخرها كان حلم الدراسات العليا الذي تخليت عنه أخيرا.
فكرة الحملة راقت لي بشدة، وإن لم يعجبني تصميم الشعار الخاص بها.
الحملة - كما تعلمون - تبدأ اليوم، وتبدأ هنا بهذه التدوينة ولمدة شهر يوميا.. ابقوا معنا...